رغم ما يُفترض أن تكون عليه من قوة مالية، تعود شركة “أرامكو السعودية” — أكبر مُصدّر للنفط في العالم — إلى أسواق السندات مجددًا لتقترض 5 مليارات دولار، لتصل ديونها إلى أعلى مستوياتها منذ نحو ثلاث سنوات.

تأتي هذه الخطوة لتثير أسئلة جوهرية عن أسباب هذا التحول، وعن واقع الشركة الاقتصادي في ظل سياسة الإنفاق التوسعي التي تتبناها المملكة بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، ضمن ما يسمى برؤية 2030.

الديون ترتفع رغم العوائد.. من يمول التوسع؟

أعلنت “أرامكو” أن هدفها من هذا الاقتراض هو “تمويل النمو وتحسين هيكل المديونية”، لكن التقارير الدولية، وعلى رأسها وكالة “بلومبيرغ”، تشير إلى أن القروض الجديدة تأتي أيضًا في سياق مواجهة تراجع العوائد الناجم عن انخفاض أسعار النفط وتراجع التدفق النقدي الحر للشركة. 

وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لأرامكو، أمين الناصر، إن نسبة مديونية الشركة بلغت 5.3% بنهاية مارس 2025، مقارنة بـ4.5% نهاية العام الماضي، معتبرًا أنها “لا تزال من بين الأدنى عالميًا”.

لكن المقارنة الدولية تظهر فجوة متزايدة؛ فبينما يبلغ متوسط مديونية شركات النفط الكبرى نحو 14%، وصلت ديون شركة “شل” إلى 18.7% و”توتال” إلى 14.3%. 

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن تجاهل أن أرامكو تعمل في ظل نظام اقتصادي سياسي يجعلها مسؤولة بشكل مباشر عن دعم ميزانية الدولة، وتمويل خطط طموحة خارج نطاق قطاع الطاقة.

في الواقع، عائدات النفط لم تعد كافية لتمويل التزامات أرامكو. فقد انخفض صافي دخل الشركة في الربع الأول من هذا العام بنسبة 4.6%، كما انخفض التدفق النقدي الحر بنسبة 16% ليصل إلى 19.2 مليار دولار، وهو مبلغ لا يغطي حتى توزيعات الأرباح المخفضة التي بلغت 21.36 مليار دولار. 

ما يعني أن الشركة تسير نحو سياسة “تمويل التوزيعات بالدين”، وهي سياسة محفوفة بالمخاطر.

سياسات بن سلمان ونقل أعباء الدولة إلى أرامكو

منذ صعود محمد بن سلمان إلى ولاية العهد، تحوّلت أرامكو إلى محرك رئيسي لخطط التحول الاقتصادي التي أطلقها، وفي مقدمتها “رؤية 2030”. 

ورغم الطابع الطموح لتلك الرؤية، فإن تطبيقها جاء على حساب الاستقرار المالي لكبرى مؤسسات الدولة. 

فالشركة لم تعد مجرد كيان منتج للنفط، بل أصبحت أداة تمويل للدولة والمشروعات الضخمة التي تقودها، مثل مشروع “نيوم” و”ذا لاين” والبنية التحتية للسياحة الفاخرة.

المملكة، التي تسعى إلى تنويع اقتصادها، لجأت إلى إدراج أرامكو في سوق الأسهم في 2019، لكن العوائد لم تكن كافية لتمويل المشروعات الواسعة النطاق، ما دفع إلى زيادة وتيرة الاقتراض من الأسواق الدولية. 

ومع ذلك، فإن هذا التوسع لم ينعكس على تحسين رفاهية المواطن السعودي أو تقليص البطالة بصورة ملموسة، بل زادت الضرائب، وارتفعت مستويات الدَّين العام لتبلغ مستويات قياسية.

في الوقت نفسه، زادت الضغوط على أرامكو كمصدر أساسي لتمويل تلك الرؤية، في ظل تراجع أسعار النفط وانخفاض الطلب العالمي، خاصة مع تباطؤ الاقتصاد الصيني، وعودة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين. 

وقد زادت تعقيدات المشهد بعد أن قادت السعودية مساعي “أوبك+” لخفض الإمدادات بوتيرة أسرع، بهدف دعم الأسعار، لكنها لم تحقق نتائج ملموسة بعد.

مخاطر القروض وأوهام السوق

أحدث إصدار لأرامكو من السندات تضمّن شريحة بقيمة 2.25 مليار دولار لأجل 30 عامًا، بعائد يزيد بنحو 1.55 نقطة مئوية عن سندات الخزانة الأمريكية.

 وبحسب “جي بي مورغان”، فإن هذا يزيد بنحو 50 نقطة عن علاوة المخاطر السيادية للمملكة، ما يجعله مغريًا للمستثمرين الأجانب، لكنه في المقابل يعكس نظرة الأسواق الحذرة تجاه اقتصاد المملكة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية والاعتماد المفرط على النفط.

الأخطر من ذلك، أن سياسة القروض المستمرة لا تعكس سوى محاولة لتأجيل الأزمات.

ففي حال استمرت أسعار النفط في التراجع، أو اندلعت أزمات جديدة تؤثر على استقرار السوق العالمية، فإن قدرة أرامكو على خدمة الدين ستكون موضع شك، خاصة مع التزاماتها المتزايدة في الداخل السعودي وخارجها. 

فالشركة تمول أيضًا استثمارات سيادية في قطاعات غير نفطية، وتشارك في توسعات في آسيا وأفريقيا، ضمن السياسة التوسعية لمحمد بن سلمان.

ولعل ما يثير القلق هو أن عائدات القروض لا تُوجه لمشروعات إنتاجية مباشرة تحقق أرباحًا مؤكدة، بل كثير منها يذهب إلى توزيعات الأرباح أو استثمارات بعوائد مؤجلة، ما يجعل مديونية أرامكو، رغم نسبتها المنخفضة، محاطة بمخاطر مستقبلية.

خاتمة: اقتصاد ريعي بقناع تنويع

عودة أرامكو إلى الاقتراض بهذا الحجم، رغم وفرة النفط، تكشف خللًا هيكليًا في الاقتصاد السعودي الذي يزعم أنه يتحول نحو التنويع، بينما الواقع يقول إنه لا يزال يعتمد بشدة على شركة واحدة لتمويل طموحات دولة بأكملها. 

ويبدو أن “التنويع” الذي تروّج له رؤية 2030، ما هو إلا قناع اقتصادي يخفي هشاشة الإيرادات غير النفطية، التي لم تبلغ بعد مرحلة الاكتفاء.

إن مديونية أرامكو التي وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات ليست مجرد رقم مالي، بل مؤشر على واقع جديد تقوده سياسات الإنفاق التوسعي، حيث تتآكل قدرة الدولة على الاعتماد على النفط، من دون أن تنجح حتى الآن في بناء بدائل حقيقية. فهل ستكون أرامكو الضحية التالية لأوهام “الرؤية”؟

اقرأ أيضًا : الإمارات والصراع مع السعودية.. حين يتحوّل النفوذ إلى عبء والهيمنة إلى هوس