في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى صفقات وقف إطلاق النار المحتملة، يتكشّف في غزة مشهد مأساوي لا يبدو أنه يقترب من نهايته. فبينما تتطاير شظايا القنابل، يبرز مشهد مروّع: أطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، أجساد صغيرة مبتورة، ومستقبل مجهول لجيل بأكمله.

الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف، وفي مقال له بـنيويورك تايمز، نقل ما شاهده من قسوة المشهد الفلسطيني، وسط تعذّر وصول الصحفيين الأجانب إلى غزة. وفيما كانت الاحتجاجات تكسر شيئًا من الجمود، كان القصف الإسرائيلي يزداد عنفاً، مدعوماً بشحنات أسلحة أمريكية ثقيلة، أبرزها قنابل زنة 2000 رطل، التي وصفها كريستوف بأنها “تحوّل الناس إلى غبار”.

الضحايا الصامتون: أطفال غزة

وفقاً للأمم المتحدة، تُسجل غزة أعلى معدل في العالم للأطفال مبتوري الأطراف. وعلى لسان الجراح الأمريكي سام عطار، الذي نفذ خمس مهمات طبية في القطاع منذ اندلاع الحرب، فإن الحالات الطبية التي واجهها أشبه بكوابيس حقيقية: أطفال محروقون، آخرون فقدوا أسرهم بالكامل، وطفلة نجت من الموت بعد أن دُفنت حية بجانب جثتي والديها.

قال عطار في شهادته المؤثرة:

“يمكننا بتر الأذرع لإنقاذ الأرواح، لكن كيف نشفي روحاً دُفنت مع أحبّائها؟ كيف نُعيد الطفولة لطفلة صارت شاهدة على المذبحة؟”

واشنطن… الشريك الصامت في المأساة؟

رغم عدم امتلاكها تأثيرًا مباشرًا على حركة حماس، فإن الولايات المتحدة -بحسب المقال- تمتلك ما هو أهم: النفوذ على إسرائيل عبر الدعم العسكري، الذي لم يُستخدم حتى الآن للضغط من أجل وقف الحرب. فبدلاً من كبح جماح التصعيد، أرسلت واشنطن شحنة جديدة من القنابل الثقيلة، وهو ما وصفه المقال بأنه يعمّق الجراح ويزيد أعداد الضحايا.

الأمم المتحدة وصفت غزة بأنها “أخطر مكان في العالم على الأطفال”، بينما تواجه المساعدات الإنسانية عرقلة كاملة، مع إغلاق جميع المعابر وتكدس الأدوية والغذاء والمعدات الطبية عند الحدود، بلا قدرة على العبور.

حرب بلا أهداف.. إلا البقاء السياسي؟

وبحسب كريستوف، لم تحقق إسرائيل أيًّا من أهدافها المعلنة: لا استعادة الأسرى ولا القضاء على حماس. بل على العكس، تُقدّر الولايات المتحدة أن الحركة استطاعت تجنيد مقاتلين جدد يعادلون عدد من فقدتهم في المعركة.

لكن هناك “هدفًا خفيًا” يبدو أنه يتحقق: استمرار الحرب بما يخدم بقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السلطة، وسط تراجع شعبيته داخليًا، حيث أظهر استطلاع أن 69% من الإسرائيليين يريدون إنهاء الحرب وإتمام صفقة تبادل الأسرى.

حرب قاسية.. وأخلاق غائبة

مع مقتل ما يزيد عن 280 موظفًا من الأمم المتحدة وأكثر من 150 صحفيًا، وأطفال يُعالجون في ظروف أشبه بالكوارث، يبقى السؤال الأهم:

هل هذه أفضل طريقة لاستخدام الأسلحة الأمريكية؟

تحذيرات كثيرة صدرت من مسؤولين إسرائيليين سابقين، من بينهم موشيه يعالون وعامي أيالون، اعتبروا فيها أن إسرائيل تنزلق إلى جرائم حرب وتطهير عرقي، محذرين من أن إعادة احتلال غزة ستكون خطأ استراتيجيًا لا يُغتفر.

أطفال يدفعون الثمن… والعالم يتفرج

الحرب التي تستهدف البنى التحتية والمستشفيات والصحفيين، حصدت أرواح آلاف الأطفال، دون أن تُحقّق إنجازًا استراتيجيًا واضحًا. وحدهم المدنيون، وفي مقدمتهم الأطفال، من يُدفعون إلى المجهول كل يوم. فهل آن الأوان لمراجعة الأولويات، قبل أن يتحوّل الغضب إلى رماد إنساني لا يمكن ترميمه؟

اقرأ أيضا: جمعة الغضب.. اتحاد علماء المسلمين يدعو لتحرك عالمي عاجل لإنقاذ غزة