تشهد إسرائيل واحدة من أخطر أزماتها السياسية منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الأخيرة، بعدما بدأت ملامح انهيار الائتلاف الحاكم تتجسد مع إعلان حزب “أغودات يسرائيل”، أحد مكونات تكتل “يهدوت هتوراه” الحريدي، دعمه العلني والصريح لحل الكنيست، على خلفية الخلاف المتصاعد حول قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.

 الانقسام داخل المعسكر اليميني

القرار الذي صدر عن “مجلس حكماء التوراة” التابع لـ”أغودات يسرائيل”، لا يمثل فقط احتجاجًا على فشل الحكومة في تمرير قانون إعفاء الحريديم، بل يعكس شرخًا حقيقيًا داخل المعسكر اليميني الحاكم، ويهدد بإسقاط حكومة نتنياهو التي قامت على توازنات هشة بين اليمين القومي والتيارات الدينية المتشددة.

ويبدو أن الصدع يتسع أكثر مع إعلان حزب “شاس”، الحليف الحريدي الآخر، دعم خطوات حل الكنيست، بعد اجتماع طارئ عقده زعيمه أرييه درعي، وهو ما يجعل الجبهة الحريدية متماسكة في خيار الانفصال عن نتنياهو.

 الحريديم.. من العمود الفقري للحكومة إلى عبء سياسي

لطالما شكلت الأحزاب الدينية الحريدية حجر زاوية في تشكيل الحكومات اليمينية، لكنها الآن تحوّلت إلى عبء سياسي على نتنياهو. فالضغط الجماهيري والعسكري من جهة، والتمسك الحريدي بالإعفاءات من جهة أخرى، وضع الحكومة أمام معادلة مستحيلة: إما الخضوع لمطالب الجيش والشارع، أو تلبية شروط الحريديم والمجازفة بانهيار الحكومة.

الرفض الصريح الذي صدر عن مرجعيات حريدية بارزة، مثل الحاخامين دوف لاندو وموشيه هيرش، للجلوس مع نتنياهو، يؤشر على قطيعة حقيقية، ويقوّض أي أمل في تهدئة الأزمة عبر الحوار الداخلي.

 معارضة تستعد للانقضاض

في هذا المشهد المتأزم، تستعد أحزاب المعارضة الإسرائيلية للانقضاض على الفرصة، معلنة نيتها التقدم بمشاريع قوانين لحل الكنيست الأسبوع المقبل، في ظل انهيار الثقة داخل التحالف الحكومي. أحزاب مثل “هناك مستقبل” بزعامة يائير لابيد و”إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان، تراهن على تفكك التحالف الحالي لتقديم نفسها كبديل أكثر “عقلانية” أمام الجمهور الإسرائيلي الغاضب.

 أزمة التجنيد.. القشة التي قصمت ظهر الحكومة

قانون التجنيد ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو صاعق تفجير مزمن في الحياة السياسية الإسرائيلية. فالصدام بين الواجب العسكري الذي يفرضه الواقع الأمني، والامتيازات الخاصة التي يتمسك بها الحريديم بدعوى “الدراسة الدينية”، بات يمثل عقدة وجودية في تركيبة الحكم.

تصريحات وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش التي قال فيها إن “الأزمة الحكومية خطيرة ونحن على بعد قيد أنملة من انتخابات قد تعني خسارة الحرب”، تعبّر عن مدى خطورة الوضع داخل المؤسسة الحاكمة، وتكشف أن الأمر لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل أو المناورة.

 إسرائيل أمام سيناريوهين:

  • الأول: التوصل لاتفاق طارئ يُرضي الحريديم جزئياً ويحفظ ماء وجه الجيش والحكومة.

  • الثاني: انهيار الحكومة والتوجه لانتخابات مبكرة قد تعيد خلط الأوراق بالكامل، وربما تنهي حقبة نتنياهو السياسية.

لكن في ظل تصاعد التوترات الداخلية، وتآكل الثقة، يبدو أن الخيار الثاني هو الأقرب.


إسرائيل تقترب من لحظة انهيار سياسي كبير، تقوده مفارقة عجيبة: التيارات الدينية التي حافظت على بقاء نتنياهو في الحكم، هي نفسها التي باتت تدفع بقوة نحو تفكيك حكومته. الانتخابات المبكرة تلوح في الأفق، وقد تكون بداية نهاية عهد نتنياهو الطويل.

اقرأ أيضا: عودة مسيّرات حماس ترعب الاحتلال: راحة ميدانية ومناورة تثير القلق في تل أبيب