في توقيت بالغ الحساسية، ومع اقتراب موسم استهلاك الطاقة المرتفع صيفًا، تتلقى مصر صفعة جديدة في ملف الطاقة بعد انسحاب أربع شركات عالمية من امتيازات التنقيب عن الغاز في البحر الأحمر، ما يثير مخاوف كبيرة بشأن مستقبل أمن الطاقة في البلاد، ويكشف خللًا متجذرًا في إدارة الدولة لهذا القطاع الحيوي، في ظل أزمات مالية وهيكلية تتفاقم منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم.

انسحابات جماعية.. ضربة للاستراتيجية المصرية

في عام 2019، أطلقت القاهرة آمالًا عريضة على طرح امتيازات بحرية جديدة في البحر الأحمر للمرة الأولى، في محاولة لتوسيع قاعدة إنتاج الغاز الطبيعي وتقليص الفجوة بين الإنتاج المحلي (نحو 4.3 إلى 4.6 مليار قدم مكعب يوميًا) والاستهلاك الداخلي (6.2 مليار قدم مكعب يوميًا).

غير أن ما تمخض عن هذه الخطط حتى الآن هو انسحاب شركات بارزة مثل “شل”، و”شيفرون”، و”مبادلة”، وأخيرًا “إكسون موبيل”، ما يمثل خيبة أمل استراتيجية.

هذه الشركات أبلغت الحكومة المصرية أن نتائج المسوحات السيزمية التي أجرتها لم تكن مشجعة اقتصاديًا، حيث لم يتم العثور على احتياطيات كبيرة أو محفزة لمواصلة الاستثمارات، ما دفعها لإنهاء أنشطتها رغم ضخها أكثر من 326 مليون دولار منذ عام 2019.

ولعل اللافت أن حتى شركة “إكسون موبيل” التي أعلنت عن كشف الغاز الوحيد في المنطقة تحت اسم “نفرتاري-1″، قررت عرضه للبيع، باعتباره لا يرقى لمستوى طموحاتها. وتملك الشركة 60% من الامتياز، فيما تمتلك “قطر للطاقة” النسبة المتبقية.

أزمة متعددة الأبعاد.. من الإنتاج إلى السيادة

يتزامن هذا الانسحاب مع تراجع حاد في إنتاج مصر من الغاز الطبيعي، الذي انخفض إلى 49.3 مليار متر مكعب في 2024 مقارنة بـ59.2 مليار في 2023، وهو أدنى مستوى خلال ثماني سنوات. 

ويزيد هذا الوضع من اعتماد مصر على الغاز المستورد، خاصة من الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يعتبره مراقبون تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة والسيادة الوطنية، خصوصًا في ظل توتر العلاقات بين البلدين عقب العدوان الإسرائيلي على غزة وسيطرة تل أبيب على معبر رفح.

وتواجه مصر أزمة مزمنة في تدبير العملة الصعبة، وهو ما تسبب في تأخر سداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في قطاع الطاقة، ما يدفع بعض المستثمرين إلى التردد في الدخول إلى السوق المصري أو الاستمرار فيه.

وتشير تقارير دولية إلى أن الحكومة المصرية لم تعد تملك الأدوات الكافية لتحفيز شركات النفط والغاز، بسبب تدهور مناخ الاستثمار، وغياب الشفافية، وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وتضخم الدين العام.

ولعل أخطر ما في الأمر أن قطاع الغاز الذي روج له السيسي على أنه أحد أعمدة “الجمهورية الجديدة” ومصدرًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي ثم التصدير، بات الآن عبئًا اقتصاديًا، يتم تعويض فجواته من خلال استيراد الغاز من الخارج – تحديدًا من إسرائيل – وبالاعتماد على شحنات غاز مسال في سوق دولية متقلبة الأسعار.

صيف ملتهب.. واحتمالات أزمة كهرباء ووقود

مع بداية الصيف، تتجه أنظار المصريين نحو ما إذا كانت الدولة قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خصوصًا في ظل الفجوة بين العرض والطلب. 

تشير تقديرات إلى أن البلاد بحاجة إلى نحو 160 شحنة من الغاز المسال هذا العام، وقد نجحت فقط في تأمين 60 شحنة حتى الآن. وخصصت الحكومة 9.5 مليار دولار لهذا الملف في ميزانية العام المالي المقبل، بزيادة ضخمة عن العام الجاري، ما يضاعف الضغط على الموازنة العامة.

وفي حال لم تنجح الدولة في تغطية الفجوة، قد تتكرر أزمة الصيفين الماضيين المتمثلة في انقطاعات الكهرباء وقرارات تخفيف الأحمال، مما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الصناعي، وتأثر الخدمات العامة، وتصاعد الغضب الشعبي.

كما أن احتمالات رفع أسعار الوقود والكهرباء واردة بشدة، لتغطية التكلفة الباهظة للاستيراد، ما يزيد من أعباء ملايين المصريين الذين يعانون بالفعل من غلاء الأسعار وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.

السيسي والأزمات المتراكمة.. غياب الرؤية أم تعمد الإفقار؟

يرى مراقبون أن ما يحدث في قطاع الطاقة المصري يعكس بوضوح إخفاق عبد الفتاح السيسي في إدارة ملفات الاقتصاد، والاعتماد المفرط على القروض والمشروعات الاستعراضية على حساب البنية التحتية الحقيقية.

ففي الوقت الذي تتزايد فيه احتياجات البلاد من الطاقة، يتم توجيه الموارد لمشاريع لا طائل منها، مثل العاصمة الإدارية أو القصور الرئاسية، في حين تفتقر مناطق بأكملها إلى شبكات الغاز الطبيعي، ولا تزال الحكومة تعتمد على الاستيراد المكلف من دول لا تربطها علاقات مستقرة معها.

وتُظهر أزمة الغاز الحالية أن سياسة السيسي لا تملك رؤية استراتيجية طويلة الأمد، بل تُدار بالأزمات والقرارات المرتجلة. فبدلًا من بناء احتياطيات حقيقية، وتأمين مصادر طاقة من دول صديقة، والانفتاح على شركات جديدة بشروط محفزة، تكتفي السلطة بالترويج الإعلامي عن “النجاحات” الوهمية.

الانسحاب الجماعي من البحر الأحمر ليس مجرد أزمة قطاع، بل علامة بارزة على فقدان الثقة الدولية في بيئة الاستثمار المصرية، وعلى تصدع مشروع “تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة” الذي لطالما تبجّحت به السلطة.

خاتمة: المستقبل المجهول بين الغاز والإفلاس

في ظل هذا المشهد، يواجه المصريون صيفًا أكثر سخونة ليس فقط في درجات الحرارة، بل في مؤشرات الأزمة الاقتصادية التي تتوسع من الطاقة إلى الكهرباء فالعملة، في ظل غياب حلول استراتيجية أو خطط واضحة من النظام.

ويبقى السؤال الأهم: هل يدفع المصريون ثمن مغامرات سياسية واقتصادية تُدار بمنطق الإنكار والتعتيم؟ وهل ينجح النظام في احتواء الأزمة أم أننا أمام بداية لانهيار أكبر؟

اقرأ أيضًا : السيسي يغذّي آلة الحرب: صادرات الأسمنت لإسرائيل تقفز 13 ضعفًا