لم يكد أسطول الصمود العالمي يقطع شوطًا في رحلته الإنسانية نحو قطاع غزة، حتى وجد نفسه في قلب مواجهة غير متكافئة مع آلة الحرب الإسرائيلية. فبينما تحمل سفن الأسطول على متنها أطنانًا من المساعدات الإغاثية ومئات المتضامنين الدوليين الساعين إلى كسر الحصار، كشفت مصادر ميدانية أنّ طائرات مسيرة إسرائيلية بدأت بالتحليق فوق السفن، في رسالة تهديد واضحة تعكس نية الاحتلال التصعيد ضد مبادرة مدنية بحتة.

 

رحلة محفوفة بالمخاطر

انطلقت سفينة “دير ياسين” من مرفأ بورتوبالو دي كابو باسيرو في جزيرة صقلية الإيطالية، محملة بالمساعدات الإنسانية، ومتجهة إلى اليونان كنقطة عبور تسبق الوصول إلى غزة. إلا أن الرحلة لم تخلُ من المخاطر منذ بدايتها، إذ أفاد مشاركون في الأسطول بأنهم رصدوا طائرتين مسيرتين حلقتا فوق السفينة في المياه الدولية. ولم يقتصر الأمر على المراقبة من الجو، بل لجأت الطائرات إلى استخدام “إنارة قوية” بشكل استفزازي مباشر، في محاولة لبث الرعب في نفوس المشاركين وخلق حالة من القلق المسبق من استهداف وشيك.

هذا التحليق ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو امتداد لسياسة إسرائيلية اعتادت استخدام كل أدوات الترهيب ضد أي مبادرة تهدف إلى تخفيف الحصار عن غزة، حتى وإن كانت ذات طابع إنساني بحت.

موقف دولي داعم للأسطول

في مواجهة هذه التهديدات، جاء الموقف الدولي داعمًا بشكل لافت. فقد أصدرت مجموعة من وزراء خارجية 16 دولة، من بينها قطر وتركيا وجنوب أفريقيا وإسبانيا وإندونيسيا والبرازيل، بيانًا أعربت فيه عن قلقها البالغ إزاء سلامة المشاركين في الأسطول. وأكد البيان على أن المبادرة تهدف إلى إيصال المساعدات الإنسانية وزيادة الوعي بمعاناة الشعب الفلسطيني، وأن أي اعتداء على السفن في المياه الدولية أو احتجاز المشاركين سيكون انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.

الدول الموقعة لم تكتفِ بمجرد إعلان التضامن، بل شددت على ضرورة مساءلة أي طرف ينتهك القانون الدولي أو يعتدي على المبادرات الإنسانية. وهذا الموقف يسلط الضوء على مدى عزلة الاحتلال في مواجهة الرأي العام العالمي، إذ باتت صورته مرتبطة بالعدوان على المدنيين، سواء كانوا فلسطينيين تحت الحصار أو ناشطين دوليين يسعون لمساعدتهم.

إيطاليا بين الاتهام والنفي

لم تخلُ القضية من أبعاد سياسية داخل أوروبا نفسها. فقد كشفت البرلمانية الإيطالية إيدا كارمينا أن طائرات مسيرة إسرائيلية انطلقت من صقلية لتنفيذ هجمات على سفن الأسطول، خاصة سفينتي “فاميلي” و”ألما” قرب السواحل التونسية. هذه التصريحات أثارت جدلًا واسعًا، لاسيما بعد أن سارعت وزارة الدفاع الإيطالية إلى نفيها. لكن مجرد تداول مثل هذه المعلومات يكفي لإبراز حجم التواطؤ الغربي في تسهيل عمل الاحتلال، سواء عبر التغطية اللوجستية أو التغاضي عن استخدام أراضيه لتنفيذ هجمات غير قانونية.

كارمينا وصفت الأمر بأنه “تواطؤ غير مقبول”، محذرة من أن صقلية لا يمكن أن تتحول إلى قاعدة عسكرية لتقويض المبادرات الإنسانية. هذا الموقف يضع الحكومة الإيطالية أمام اختبار صعب: هل ستظل متفرجة على استخدام أراضيها كمنصة لانتهاك القانون الدولي، أم ستتخذ إجراءات واضحة للحد من هذه التجاوزات؟

ذاكرة لا تُمحى: مرمرة حاضرة

التحليق الإسرائيلي فوق أسطول الصمود يعيد إلى الأذهان حادثة أسطول الحرية عام 2010، عندما هاجمت قوات الاحتلال سفينة “مافي مرمرة” التركية في المياه الدولية وقتلت عشرة متضامنين أتراك. الفارق أن الاحتلال اليوم يبدو أقل اكتراثًا بالعواقب السياسية لمثل هذه الأفعال، ربما بحكم الدعم الأمريكي والغربي اللامحدود، أو لأنه يرى في انشغال العالم بالحروب والصراعات الأخرى فرصة لإعادة إنتاج سيناريو مشابه دون محاسبة.

لكن تجربة “مرمرة” علمت الناشطين درسًا مهمًا: أن التغطية الإعلامية الواسعة والدعم الشعبي يمكن أن يحوّلا العدوان إلى فضيحة دولية تطارد إسرائيل لسنوات. وهو ما يسعى المشاركون في أسطول الصمود إلى تحقيقه عبر نشر مقاطع الفيديو والنداءات المتكررة على منصات التواصل الاجتماعي، محذرين من التعتيم ومحاولات الاحتلال لإسكات أصواتهم.

بين الشرعية الدولية وواقع الحصار

من منظور القانون الدولي، ما يقوم به الاحتلال يعد جريمة مزدوجة: أولًا لأنه يستهدف مبادرة مدنية إنسانية، وثانيًا لأنه يفرض حصارًا جماعيًا على سكان غزة منذ أكثر من 17 عامًا، وهو ما يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي المحظور. الأسطول، بحد ذاته، يشكل اختبارًا لمصداقية النظام الدولي: فهل سيسمح العالم مرة أخرى بانتهاك القانون على مرأى ومسمع الجميع، أم سيتحرك لحماية المبادئ التي يعلن تمسكه بها؟

البيانات الرسمية الصادرة من العواصم المختلفة قد تبدو مشجعة، لكن التجارب السابقة تثبت أن الاحتلال يعتمد على إفلاته من العقاب، وأن رد الفعل الدولي غالبًا ما يظل في حدود التنديد اللفظي.

خاتمة: معركة الرمزية والوعي

التحليق الإسرائيلي فوق سفن أسطول الصمود ليس مجرد حادث عرضي، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من السياسات الرامية إلى إسكات أي محاولة لكسر الحصار على غزة. ومع ذلك، فإن مجرد انطلاق الأسطول وتغطية وسائل الإعلام لتحركاته يشكل انتصارًا رمزيًا مهمًا، لأنه يعيد تسليط الضوء على مأساة مليوني إنسان محاصرين منذ سنوات.

في النهاية، قد ينجح الاحتلال في عرقلة وصول السفن، لكنه لن يتمكن من محو الرسالة التي يحملها الأسطول: أن غزة ليست وحدها، وأن هناك شعوبًا وحكومات بدأت تكسر حاجز الصمت. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض أو في البحر، بل باتت أيضًا معركة وعي عالمي يضع إسرائيل في مواجهة حقيقتها كقوة احتلال لا تتورع عن استهداف حتى المبادرات الإنسانية.

اقرأ أيضًا : الأورومتوسطي” يدين استهداف الاحتلال للصحفيين في صنعاء: جريمة لإسكات الحقيقة