في خطوة وُصفت بالتاريخية، انطلقت من ميناء بنزرت التونسي أولى سفن “أسطول الصمود” الدولي، في محاولة لكسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 17 عامًا، وإيصال رسالة تضامن عالمية مع سكان القطاع الذين يرزحون تحت الاحتلال والعدوان والحصار المتواصل.
تأتي هذه المبادرة في ظل استمرار المجازر الإسرائيلية في غزة، واستفحال الأزمة الإنسانية، في وقت يعجز فيه المجتمع الدولي عن فرض وقف دائم لإطلاق النار أو ضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ وآمن إلى القطاع.

انطلاقة بحرية دولية واسعة بمشاركة من 44 دولة
السفينة الإسبانية “مارينات” كانت أول من غادر ميناء بنزرت، معلنة عمليًا انطلاق الأسطول الذي يضم نحو 46 سفينة صغيرة ومتوسطة الحجم، تحمل على متنها ما بين 800 و850 ناشطًا ومتضامنًا من 44 دولة مختلفة، من بينها دول من أمريكا اللاتينية، وماليزيا، واليونان، وإسبانيا، إلى جانب دول مغاربية عدّة.
وبحسب المنظمين، فإن 23 سفينة مغاربية كانت قد تحركت بالفعل منذ يوم الجمعة من ميناءي قمرت وسيدي بوسعيد التونسيين، وتجوب حاليًا عرض البحر بانتظار التحامها بالسفن الأجنبية القادمة تباعًا من ميناء بنزرت.
يُخطط الأسطول للالتقاء في نقطة وسط البحر الأبيض المتوسط قبل التوجه في مسار موحد نحو شواطئ غزة، في محاولة رمزية لكسر الحصار المفروض على القطاع، وإجبار المجتمع الدولي على التعامل مع معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف إنسانية كارثية نتيجة الحصار الإسرائيلي البحري والبري والجوي المفروض منذ عام 2007.
رسالة سياسية وإنسانية تتحدى الحصار وتُحرج المجتمع الدولي
تحمل هذه الخطوة بعدًا رمزيًا قويًا، إذ تهدف إلى كسر حالة الصمت العالمي تجاه جرائم الاحتلال، ودفع العالم للتعامل مع مأساة غزة باعتبارها مسؤولية إنسانية مشتركة، وليس مجرد أزمة محلية.
ويرى مراقبون أن الأسطول يسعى لإحراج القوى الكبرى التي لطالما تغاضت عن الحصار البحري الإسرائيلي المخالف للقانون الدولي الإنساني، خاصة بعد صدور تقارير أممية تصفه بالعقوبة الجماعية التي ترقى إلى جريمة حرب.
كما يشكل الأسطول تحديًا مباشرًا لإسرائيل، التي تعتبر المياه الإقليمية لغزة منطقة عسكرية مغلقة، وتمنع اقتراب أي سفينة مدنية من سواحل القطاع، وغالبًا ما تلجأ إلى اعتراضها أو احتجازها، كما حدث مع محاولات سابقة لأساطيل كسر الحصار مثل “أسطول الحرية” الذي انطلق من تركيا عام 2010 وتعرض لهجوم دموي من البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية.
استهدافات مشبوهة وتخوف من اعتداءات إسرائيلية جديدة
التحضيرات لانطلاق الأسطول رافقتها أحداث غامضة أثارت الشكوك حول محاولات لعرقلة المبادرة، من بينها تعرض إحدى السفن الإسبانية لاحتراق مفاجئ على متنها أثناء وجودها بميناء بنزرت، حيث أعلنت السلطات التونسية أن الحريق ناجم عن عقب سيجارة اشتعل في سترة نجاة، ونفت أي استهداف خارجي.
لكن لاحقًا، كشفت وزارة الداخلية التونسية أن حادثًا آخر وقع في ميناء سيدي بوسعيد كان “اعتداءً مدبرًا”، وأعلنت فتح تحقيق موسّعًا لمعرفة الجهة التي خططت له ونفذته، في ظل مخاوف من عمليات تخريبية محتملة لإفشال الرحلة.
هذه الحوادث زادت من قلق المتضامنين الذين يتوقعون اعتراضًا إسرائيليًا محتملًا للسفن في عرض البحر، وسط دعوات وجهتها منظمات حقوقية للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لتأمين حماية دولية للأسطول وضمان عدم الاعتداء عليه في المياه الدولية.
توقعات بردود إسرائيلية وتصعيد دبلوماسي محتمل
من المتوقع أن تثير الخطوة ردود فعل إسرائيلية غاضبة، إذ تعتبر تل أبيب أي محاولة للوصول بحرًا إلى غزة تهديدًا لأمنها القومي.
وغالبًا ما تدّعي إسرائيل أن هذه السفن تنقل مواد “ثنائية الاستخدام”، في محاولة لتبرير اعتراضها ومنع وصولها إلى غزة، رغم إعلان المنظمين أن السفن لا تحمل أي معدات عسكرية وأن مهمتها إنسانية رمزية بحتة.
كما قد تُحرج هذه الخطوة بعض الحكومات الغربية التي تلتزم الصمت حيال الحصار، حيث سيتعين عليها تحديد موقفها من اعتراض إسرائيل المحتمل لأسطول يحمل مئات المدنيين من جنسيات أوروبية وأمريكية وآسيوية، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية في حال تعرض أي من المشاركين للأذى.
أمل متجدد لسكان غزة ورسالة بصوت عالمي
بالنسبة لسكان غزة الذين أنهكتهم سنوات من الحصار والعدوان المتكرر، تمثل هذه المبادرة بارقة أمل نادرة ورسالة بأن معاناتهم ليست منسية، وأن هناك من يغامر بحياته في البحر لإيصال صوتهم إلى العالم.
فحتى لو لم ينجح الأسطول في كسر الحصار فعليًا والوصول إلى شواطئ غزة، فإنه قد يحقق مكسبًا معنويا كبيرًا عبر إعادة تسليط الضوء العالمي على مأساة أكثر من مليوني إنسان يعيشون في سجن مفتوح.
بهذا، تنطلق رحلة “أسطول الصمود” وسط البحر، وهي تحمل آمالًا ثقيلة ومخاطر جمّة، لكن أيضًا إصرارًا على كسر جدار الصمت وفضح الحصار، في محاولة جديدة لانتزاع حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة، وإحياء الضمير الإنساني الغائب عن غزة منذ سنوات.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يوقّع اتفاقية توسع استيطاني قرب القدس: مخطط “إي 1” يعمّق فصل الضفة ويقضي على حل الدولتين