يدفع أطفال السودان واحدة من أفدح فواتير الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، بعدما تحولت أزمة النزوح واللجوء إلى كارثة تعليمية تهدد مستقبل جيل كامل، في وقت تكشف فيه تحقيقات أممية متزايدة عن الدور الذي لعبته شبكات الدعم الخارجي في تعزيز القدرات العسكرية لميليشيا الدعم السريع ومساعدتها على مواصلة عملياتها، ومن بينها أفراد وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها.
وتشير أحدث البيانات إلى أن نحو 8 ملايين طفل سوداني في سن الدراسة لا يتلقون التعليم، بينما أفادت مفوضية اللاجئين في مارس/آذار الماضي بأن أكثر من 90% من أطفال السودان في سن الدراسة باتوا خارج المدارس، في واحدة من أكبر أزمات التعليم التي خلفتها الحرب.
ولا تتوقف خسائر الأطفال عند الدراسة. فقد عاش ملايين منهم خلال سنوات الحرب بين النزوح والجوع والمرض وفقدان المنازل ومصادر دخل أسرهم، قبل أن تتحول الإقامة المؤقتة في المخيمات إلى واقع ممتد لسنوات، من دون مدارس أو بنية تعليمية قادرة على استيعابهم.
وفي 17 مخيماً موزعة بين دارفور وكردفان، لا توجد مدرسة واحدة تعمل بصورة رسمية، فيما تضم منطقة طويلة في شمال دارفور نحو عشرين مخيماً يعيش فيها أكثر من 1.3 مليون نازح، وسط عجز المدارس المحدودة الموجودة هناك عن استيعاب سوى نسبة صغيرة من الأطفال.
وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الانقطاع، تجاوز بعض الأطفال السن المناسب للعودة إلى المراحل الدراسية التي كانوا فيها عند اندلاع الحرب، ما يهدد بتحويل عشرات الآلاف منهم إلى فاقد تعليمي دائم، ويزيد مخاطر انخراط الأطفال والمراهقين المحرومين من الدراسة في سوق العمل الهش أو استغلالهم في الصراع المسلح.
من ساحات القتال إلى الفصول المغلقة
لا يمكن فصل هذه الكارثة التعليمية عن استمرار الحرب نفسها. فكل شهر إضافي من القتال يعني مدارس جديدة مغلقة، وأسراً جديدة نازحة، وأطفالاً آخرين يفقدون عاماً دراسياً جديداً.
وهنا تبرز مسؤولية شبكات الإمداد الخارجي التي ساعدت أطراف الحرب على الاحتفاظ بقدراتها العسكرية. فقد خلصت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في تقريرها الصادر مطلع سبتمبر/أيلول إلى وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بأن ميليشيا الدعم السريع استفادت من شبكة دعم عابرة للحدود وفرت أسلحة وعتاداً عسكرياً ومساعدة لوجستية وتدريباً وأفراداً أجانب.
وحدد التحقيق أفراداً وكيانات تعمل في عدة دول، بينها الإمارات، ضمن الشبكة التي يسّرت عناصر من هذا الدعم، وقال إن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت دوراً مهماً في شبكات شاركت في تجنيد متعاقدين عسكريين أجانب وتمويلهم ونقلهم ونشرهم، وفي تقديم دعم ذي طبيعة عسكرية استفادت منه ميليشيا الدعم السريع.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أثر الدعم على استمرار الحرب؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بمصدر بندقية أو مسيّرة بعينها، وإنما بقدرة ميليشيا مسلحة على تعويض خسائرها والحصول على أسلحة ومقاتلين وخبرات فنية والاستمرار في تنفيذ عمليات عسكرية كان من شأن انقطاع خطوط الإمداد أن يضعف قدرتها عليها.
وبهذا المعنى، فإن فاتورة الدعم الخارجي لا تظهر فقط في ساحات القتال، بل تمتد إلى مخيمات النزوح التي يمضي فيها الأطفال سنوات بلا مدارس.
دارفور.. التعليم ينهار تحت الحرب
في ولايات دارفور، أغلقت المدارس على نطاق واسع، بينما توقف صرف أجور آلاف المعلمين الموجودين في مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع، ما دفع كثيرين منهم إلى البحث عن أعمال بديلة لتأمين احتياجات أسرهم.
أما النازحون من الفاشر ونيالا ومناطق القتال الأخرى، فقد وجدوا أنفسهم في مخيمات تفتقر أصلاً إلى القدرة على توفير الغذاء والرعاية الصحية والمياه، ليصبح إنشاء مدارس للأطفال في أسفل قائمة الأولويات.
وفي مخيمات اللاجئين بشرق تشاد، تتكرر المأساة. ففي أدري وبلايا ومُرة وأركوم جديد يعيش آلاف الأطفال من دون تعليم منتظم، بينما لا تستطيع الأسر التي فقدت منازلها وأعمالها تحمل رسوم المدارس الخاصة.
وتتحدث شهادات اللاجئين عن أطفال تجاوز بعضهم العاشرة من العمر من دون أن يدخل مدرسة في حياته، فيما يخشى آباء من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى نشوء جيل كامل بلا تعليم أو فرص حقيقية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي مستقبلاً.
ولا تختلف الصورة كثيراً في أوغندا، حيث يضم مخيم كرياندنقو نحو 83 ألف لاجئ، بينما لا تكفي المدارس الموجودة لاستيعاب الأطفال السودانيين، واضطر بعض اللاجئين إلى إنشاء مبادرات تطوعية ومدارس غير نظامية لسد جزء محدود من الفراغ.
السلاح يصل.. والتعليم لا يصل
تكشف المقارنة عن مفارقة قاسية في الحرب السودانية: ففي الوقت الذي تعجز فيه المؤسسات والمنظمات الإنسانية عن توفير تمويل يكفي لإنشاء فصول دراسية داخل المخيمات، تمكنت شبكات عابرة للحدود من تحريك الأسلحة والمعدات والمتعاقدين العسكريين عبر آلاف الكيلومترات وصولاً إلى ساحات القتال.
ووثق التحقيق الأممي مسارات إمداد جوية وبرية وبحرية استفادت منها ميليشيا الدعم السريع، مروراً بتشاد وجنوب شرقي ليبيا وبوصاصو في الصومال، إلى جانب أدلة تربط أفراداً وكيانات مقرها الإمارات ببعض ترتيبات الإمداد.
كما وثقت البعثة معدات عسكرية متطورة، بينها مدافع هاوتزر صينية الصنع ومنظومات دفاع جوي ومسيّرات هجومية واستطلاعية، فضلاً عن شبكة لتجنيد متعاقدين عسكريين كولومبيين، قدّر المحققون أن إجمالي عدد المشاركين فيها يمكن أن يقترب من ألفي شخص.
وهذه الإمدادات، وفق استنتاج البعثة، لم تكن هامشية؛ بل أسهمت في تعزيز قدرة ميليشيا الدعم السريع على مواصلة عملياتها في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.
الإمارات تنفي
في المقابل، تنفي الإمارات بصورة قاطعة تقديم دعم عسكري أو لوجستي أو مالي أو سياسي لميليشيا الدعم السريع، وتؤكد أنها لم تزود أي طرف في السودان بالأسلحة أو الذخائر، ولم تجند أو تمول أو تسهل انتقال مقاتلين أجانب.
كما رفضت أبوظبي الاتهامات المتعلقة بكيانات تعمل داخل أراضيها، وقالت إنها تستند إلى معلومات غير موثوقة، مؤكدة التزامها الحياد والقانون الدولي.
لكن البعثة الأممية قالت إن مجمل الأدلة التي تحققت منها يشير إلى أن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها اضطلعت بدور مهم داخل شبكات استفادت منها ميليشيا الدعم السريع، وطالبت السلطات الإماراتية باتخاذ إجراءات إضافية وأكثر قوة للتحقيق في هذه الأنشطة ومنعها ووقفها.
وهذا التفريق مهم: التحقيق لا يقرر أن الدولة الإماراتية مسؤولة وحدها عن استمرار الحرب السودانية، لكنه يقدم أساساً قوياً للقول إن شبكات دعم مرتبطة بالإمارات أسهمت في إدامة القدرة القتالية لميليشيا الدعم السريع، وهو ما يحمّل الجهات التي موّلت أو سلحت أو نقلت المقاتلين جزءاً من المسؤولية عن إطالة البيئة التي أنتجت الكارثة الإنسانية.
جيل يخسر مستقبله
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد خسارة التعليم أزمة مؤقتة يمكن علاجها بمجرد إعادة فتح المدارس. طفل كان في التاسعة عند اندلاع القتال أصبح في الثانية عشرة، وآخر غادر المدرسة في المرحلة الأساسية أصبح مراهقاً داخل مخيم للنازحين، فيما وُلد أطفال آخرون في بيئة لا توجد فيها مدرسة أصلاً.
وهؤلاء هم الوجه الآخر للحرب الذي لا يظهر في بيانات الأسلحة أو خرائط السيطرة العسكرية.
فحين تصل شحنة سلاح جديدة أو متعاقدون أجانب أو منظومة مسيّرات إلى أحد أطراف الصراع، لا تقتصر النتيجة على تغير ميزان عسكري في جبهة بعينها؛ استمرار القدرة على القتال يعني أيضاً استمرار النزوح وتعطل الخدمات وتأجيل عودة الأسر وإغلاق المدارس عاماً إضافياً.
ومن هنا تصبح مأساة أطفال السودان جزءاً من ملف الدعم الخارجي للحرب، لا قضية إنسانية منفصلة عنه. فالملايين الذين حُرموا من الدراسة اليوم سيدفعون آثار الصراع لعقود بعد توقف المدافع.
والخطر الأكبر أن السودان لا يخسر فقط سنوات دراسية، بل جيلاً كاملاً من رأس ماله البشري. وإذا كانت شبكات السلاح والتمويل الخارجي قد ساعدت ميليشيا الدعم السريع على إدامة قدرتها العسكرية، فإن أحد أثقل أثمان هذه الإدامة يدفعه الآن أطفال لم يحملوا سلاحاً ولم يختاروا الحرب، لكنهم قد يخرجون منها بلا مدرسة وبلا منزل وبفرص أقل لبناء مستقبلهم.