كشفت تصريحات صادرة عن أكاديمية وناشرة إسرائيلية بارزة حجم التحوّل الذي شهدته علاقات دولة الاحتلال مع بعض العواصم الخليجية، وعلى رأسها أبوظبي، في ظل اتفاقيات التطبيع، وما رافق ذلك من اصطفافات إقليمية خطيرة تمسّ أمن المنطقة واستقرارها، خصوصًا في ما يتعلق بإيران واحتمالات استهدافها عسكريًا.
هذه التصريحات، التي جاءت من داخل مؤتمر للجالية الإسرائيلية-الأمريكية في الولايات المتحدة، لا تعكس مجرد مواقف شخصية، بل تعبّر عن عقل سياسي-أيديولوجي يرى في الإمارات شريكًا مباشرًا للاحتلال، وفي بعض المواقف الخليجية غطاءً ضمنيًا لأي مغامرة عسكرية إسرائيلية.
![]()
زيارات متكررة إلى أبوظبي… تطبيع بلا أقنعة
قالت الدكتورة ميريام أديلسون، ناشرة صحيفة إسرائيل اليوم، إنها زارت الإمارات “أربع أو خمس مرات” منذ توقيع اتفاقيات أبراهام، مؤكدة أنها تجولت في البلاد “وشعرت بالأمان التام”.
هذا التصريح، بقدر ما يبدو عابرًا، يكشف عمق العلاقة التي لم تعد تقتصر على تبادل السفراء أو المصالح الاقتصادية، بل وصلت إلى مستوى الاحتضان السياسي والثقافي لشخصيات تمثل رأس الحربة الإعلامية والدعائية للاحتلال الإسرائيلي.
الأخطر في حديث أديلسون ليس عدد الزيارات، بل طبيعة الشعور الذي عبّرت عنه: “الأمان التام”، في وقت تُغلق فيه أبواب عواصم عربية كثيرة أمام الفلسطيني، وتُفتح على مصراعيها أمام رموز المشروع الصهيوني.
الإمارات… من التطبيع إلى الوكالة السياسية للاحتلال
تصريحات أديلسون تعكس بوضوح الدور الذي باتت تلعبه الإمارات العربية المتحدة في المنظومة الإقليمية الجديدة التي تقودها واشنطن وتل أبيب. فالإمارات لم تعد مجرد دولة “مطبّعة”، بل تحولت إلى منصة آمنة لتبييض صورة الاحتلال، واستضافة رموزه، ودمج روايته في الفضاء العربي.
من منظور إسرائيلي-أمريكي، تبدو أبوظبي اليوم وكيلًا سياسيًا للاحتلال في المنطقة: تروّج للتطبيع، تضغط باتجاه “الاستقرار” الذي يعني عمليًا إسكات أي مقاومة، وتفتح قنوات خلفية مع قوى دولية لتسهيل مشاريع تخدم إسرائيل تحت عناوين الاستثمار والسلام.
السعودية وإيران… رسائل متناقضة وضوء أخضر مبطّن
في أخطر ما جاء في كلمتها، تحدثت أديلسون عن الموقف السعودي من ضرب إيران، قائلة: “يقولون إن السعودية طلبت عدم مهاجمة إيران، وأعتقد أن هذا مجرد استعراض… لقد قيل لي: هاجمي إيران”.
هذا التصريح يضع السعودية في قلب معادلة شديدة الحساسية، ويوحي بوجود ازدواجية بين الخطاب العلني الذي يتحدث عن التهدئة، والرسائل غير المعلنة التي قد تُفهم في تل أبيب على أنها ضوء أخضر.
أما إيران، فتظهر في هذا السياق كهدف دائم لمشاريع التصعيد، حيث يجري تصوير أي ضربة محتملة لها باعتبارها “مصلحة مشتركة” لبعض القوى الإقليمية، حتى وإن جرى إنكار ذلك رسميًا.
العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية… بوابة الهيمنة الإقليمية
ربطت أديلسون بشكل مباشر بين قوة العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية ومكانة دول الشرق الأوسط، معتبرة أن الدعم الأمني لإسرائيل هو “مصلحة أمريكية واضحة”، وانتقدت ما وصفته بقلة الفهم داخل الولايات المتحدة لهذا الدور.
هذا الطرح يعكس رؤية استعمارية تقليدية ترى في إسرائيل رأس جسر للهيمنة الأمريكية، وفي التطبيع العربي أداة لتكريس هذا الدور، وليس مسارًا لتحقيق سلام حقيقي أو عدالة تاريخية.
إيلي كوهين وبوتين… استعادة رموز التجسس
تطرقت أديلسون أيضًا إلى مساعيها لتحديد مكان دفن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، الذي أُعدم في سوريا عام 1965، مشيرة إلى أنها طلبت المساعدة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمعرفة موقع قبره.
إعادة فتح هذا الملف بعد عقود، وبمشاركة قوى كبرى، يؤكد أن إسرائيل لا تنظر إلى التجسس كجريمة، بل كـ”بطولة قومية”، وتصر على تحويل جواسيسها إلى رموز، في وقت تُجرّم فيه أي فعل مقاومة عربي أو فلسطيني.
الجولان وترامب… مكافآت سياسية للتطبيع
خلال المؤتمر، تسلمت أديلسون جائزة تقديرًا لدورها في تعزيز اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وهو القرار الذي اتُّخذ خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذا التكريم يختصر المشهد: تطبيع عربي، دعم أمريكي، شرعنة للاحتلال، وتجاهل كامل للقانون الدولي وحقوق الشعوب.
خلاصة المشهد
تصريحات ميريام أديلسون لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع: الإمارات تؤدي دور الوكيل السياسي للاحتلال، السعودية تُرسل رسائل ملتبسة، والولايات المتحدة تواصل رعاية منظومة هيمنة عنوانها “السلام” وجوهرها إخضاع المنطقة لإرادة إسرائيل.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح التطبيع ليس مجرد خيانة سياسية، بل شراكة مباشرة في مشروع يستهدف فلسطين والمنطقة بأكملها.
اقرأ أيضًا : ميليشا الدعم السريع يحاصر الأُبيّض بدعم إماراتي ويقصف سوق الدلنج