كشف موقع 972+ الإسرائيلي، في تحقيق استقصائي مطوّل، أن ألمانيا لم تتوقف فعليًا عن تسليح دولة الاحتلال خلال حربها على قطاع غزة، رغم الخطاب الرسمي الصادر عن برلين بشأن “تجميد” صادرات السلاح. التقرير، الذي أعده الصحفي هانو هاونشتاين، يخلص إلى أن ما جرى لم يكن سوى تجميد صوري يهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي والضغط الدولي، بينما استمر تدفق الأسلحة والمكونات العسكرية الحيوية بلا انقطاع، بل وتوسّع ليشمل شراكات أمنية وسيبرانية جديدة.

“تجميد” للاستهلاك الإعلامي فقط
بحسب التحقيق، أعلنت الحكومة الألمانية في أغسطس/آب 2025 عن تعليق جزئي لموافقات تصدير السلاح إلى إسرائيل، في ذروة الغضب العالمي من صور الدمار والمجازر في غزة. غير أن التدقيق في طبيعة هذا القرار يكشف أنه لم يشمل التراخيص السابقة، ما سمح باستمرار توريد غواصات وطرادات بحرية ومحركات دبابات “ميركافا” دون عوائق. الأخطر، أن برلين عادت لمنح موافقات جديدة فور دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يؤكد أن “التوقف” كان تكتيكيًا ومؤقتًا، لا تحوّلًا استراتيجيًا أو أخلاقيًا.
ثغرات قانونية لتجاوز البرلمان
يركز التحقيق على الدور الحاسم الذي تلعبه التصنيفات القانونية الألمانية في الالتفاف على الرقابة الديمقراطية. إذ تميّز برلين بين “أسلحة الحرب” و“المعدات العسكرية”، وتُدرج غالبية المكونات الجوهرية – كالرؤوس الحربية والمحركات – ضمن الفئة الثانية الأقل خضوعًا للقيود، ولا تحتاج لموافقات حكومية خاصة. هذا التلاعب المفاهيمي، وفق التقرير، أبقى البرلمان والرأي العام خارج دائرة المساءلة.
وينقل التحقيق عن محامي المركز الأوروبي للحقوق الدستورية ألكسندر شوارتز تأكيده أن هذا التمييز “لا قيمة له” بموجب القانون الدولي، لأن معاهدة تجارة الأسلحة تنطبق على المكونات والأسلحة الكاملة على حد سواء. ويشدد شوارتز على أن ألمانيا تنتهك القانون الدولي في ظل وجود أدلة بصرية دامغة، بينها مقاطع ينشرها جنود إسرائيليون تُظهر استخدام أسلحة ألمانية الصنع في تدمير البنية التحتية المدنية بغزة.
من “الدفاع” إلى القصف
تحاول الحكومة الألمانية تبرير استمرار التسليح بالتركيز على الأسلحة “الدفاعية”، مثل طرادات “ساعر 6” البحرية. لكن التحقيق يدحض هذه الرواية عبر شهادات عسكرية إسرائيلية؛ إذ أقر قائد طراد إسرائيلي لصحيفة معاريف بأن السفن الألمانية انتقلت من مهام الحماية إلى أدوار هجومية مباشرة، شاركت في قصف ساحل غزة بنيران كثيفة ودقيقة. ويؤكد شوارتز أن التمييز بين الهجومي والدفاعي يفقد معناه متى استُخدم السلاح في انتهاك القانون الدولي الإنساني.
الأمن السيبراني: شراكة على أنقاض غزة
لا يقتصر التعاون الألماني الإسرائيلي على العتاد العسكري التقليدي. فالتقرير يكشف عن اتفاقية جديدة للأمن السيبراني وتبادل الخبرات في الذكاء الاصطناعي بين وحدة GSG 9 الألمانية ووحدة يمام الإسرائيلية، المتهمة بالضلوع في عمليات اغتيال خارج إطار القانون. ويشير هاونشتاين إلى أن وزير الداخلية الألماني الاتحادي ألكسندر دوبريندت وصف إسرائيل علنًا بأنها “نموذج يُحتذى”، في إشارة إلى الرغبة الألمانية في الاستفادة من تكنولوجيا “مختبرة ميدانيًا” في غزة وغيرها.
تطبيع بدل المساءلة
يرى التحقيق أن هذا المسار يعكس تحولًا جذريًا في أولويات برلين: من خطاب المساءلة والالتزام بحقوق الإنسان إلى تطبيع كامل مع السياسات الإسرائيلية، حتى في ذروة الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية. الضمانات الإسرائيلية باحترام القانون الدولي، التي تعتمد عليها الحكومة الألمانية، يصفها الكاتب بأنها “عبثية” في ظل واقع الدمار الشامل والحصار والتجويع.
“لن يتكرر أبدا”… لكن انتقائيًا
يخلص هاونشتاين إلى أن ألمانيا، التي طالما قُدّمت نموذجًا في مواجهة جرائمها التاريخية، باتت تطبق مبدأ “لن يتكرر أبدا” بشكل انتقائي وذرائعي. فالإبادة الجماعية لم تعد جريمة مطلقة، بل جريمة مشروطة، يُبحث لها عن تبريرات عندما يرتكبها الحليف “الصحيح”. ويختم التحقيق بالإشارة إلى زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس لإسرائيل في ديسمبر/كانون الأول الماضي، معتبرًا أن استمرار تدفق السلاح لا يترك مجالًا للغموض: خيار برلين واضح، وهو دعم وتطبيع الإبادة، لا محاسبتها.
اقرأ أيضًا : غضب واسع بعد كشف الجنائية الدولية جرائم ميليشيا الدعم السريع الإماراتية في الفاشر