أمازون والنظام السعودي متواطئان في استعباد العمال المهاجرين واستغلال فقرهم لتحقيق أرباح طائلة تحت غطاء الاستثمار والعمل الحديث. داخل مستودعات الشركة في السعودية، يعيش آلاف العمال الآسيويين في ظروف تُعيد إلى الأذهان صور العبودية المعاصرة، بعد أن اضطروا لدفع مبالغ ضخمة لوكلاء توظيف في نيبال والهند وبنغلاديش وباكستان، أملاً في فرصة عمل تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة. وبدلاً من أن تكون السعودية مركزاً للعمل النزيه كما تروّج في دعايتها الرسمية، تحولت إلى مسرح لاستغلال المهاجرين تحت أعين السلطات وصمتها الكامل.
أمازون كانت قد أعلنت في عام 2023 عن نيتها تعويض العمال عن رسوم التوظيف التي دفعوها بصورة غير قانونية، وادّعت أنها خصصت ملايين الدولارات لتصحيح الانتهاكات التي ارتكبها شركاؤها من شركات التوظيف. غير أن آلاف العمال ما زالوا ينتظرون أموالهم حتى اليوم، رغم مرور عامين على الوعود. التحقيقات الصحفية والحقوقية أكدت أن عشرات منهم لم يتلقوا شيئاً، وأن الشركة استبعدت بعض العمال بحجج واهية، منها انتهاء عملهم قبل أكتوبر 2023، وكأن حقوق الإنسان تحددها تواريخ على الورق.
العمال الذين دفعوا ما بين 800 و3500 دولار للحصول على وظائف أمازون في السعودية وجدوا أنفسهم غارقين في الديون. أحدهم، من بنغلاديش، اقترض المبلغ بفائدة مرتفعة وصلت إلى 36% على أمل أن يسدده من راتبه في المملكة، لكنه خرج منها مثقلاً بالدين ومحرومًا من التعويض. آخرون من نيبال قالوا إن الشركة تمتلك جميع بياناتهم، من جوازات سفر وأرقام هواتف، ومع ذلك لم تتصل بهم رغم سهولة الوصول إليهم. هذا الإهمال لا يمكن تفسيره إلا باعتباره سياسة ممنهجة للتنصل من المسؤولية، بغطاء من النظام السعودي الذي يوفّر الحماية للشركات الأجنبية مقابل الاستثمارات والدعاية.
النظام السعودي يقدّم نفسه كراعٍ للإصلاح ومكافحٍ للاتجار بالبشر، بينما يمارس في الوقت نفسه أبشع أشكال التواطؤ مع الشركات العابرة للقارات. وزارة الموارد البشرية لم تصدر أي بيان أو توضيح عن قضية عمال أمازون، ولم تُفتح أي تحقيقات حول الشركات الوسيطة التي ابتزت العمال وسلبتهم أموالهم. هذا الصمت يعبّر عن منطق ثابت في المملكة، حيث الأولوية للمستثمر الأجنبي، لا للإنسان. أمازون تعمل بحرية كاملة داخل السعودية، مدعومة ببيئة قانونية تحميها من المساءلة وتسمح لها بمراكمة الأرباح على حساب العمالة الرخيصة القادمة من آسيا وإفريقيا.
المفارقة أن النظام السعودي يتباهى بمشروعات ضخمة تحت شعار رؤية 2030، بينما يبنيها بأيدي الفقراء الذين يعيشون في مساكن مكتظة، ويعملون لساعات طويلة تحت حرارة قاسية، دون ضمانات أو حقوق. آلاف العمال المهاجرين هم العمود الفقري لهذه الرؤية التي تقوم على العرق والديون والتهميش، في حين تظهر المملكة أمام العالم بواجهة براقة تخفي وراءها منظومة عبودية اقتصادية متكاملة.
أمازون التي تُعد ثاني أكبر جهة توظيف في العالم تواصل جني المليارات من سوق الخليج، وتستخدم السعودية كمنصة لخفض التكاليف وتحقيق أرباح هائلة، بينما يتقاضى العمال رواتب بالكاد تكفي للطعام والسكن. كل تأخير في دفع التعويضات يزيد معاناتهم، وكل تصريح غامض يصدر من الشركة أو من السلطات السعودية يفضح التواطؤ المشترك بين الجشع التجاري والسلطة السياسية.
القضية لم تعد مالية فقط، بل إنسانية وأخلاقية، تكشف عن التحالف القذر بين المال والنفوذ. أمازون تستغل العمالة المهاجرة تحت مظلة النظام السعودي، والنظام يغض الطرف ليحافظ على صورته كـ”شريك دولي موثوق” في أعين المستثمرين الغربيين. خلف واجهة الأبراج والمشروعات العملاقة، يتكوّن عالم مظلم من القهر والصمت، تُدفن فيه قصص العمال الذين سرقوا أموالهم وحُرموا من أبسط حقوقهم، بينما تواصل الشركة والنظام تبادل المصالح على حساب كرامة الإنسان