لا يقدم كتاب «أمراء ولصوص» لماثيو كول حكاية أخرى عن علاقات دبلوماسية معقدة، بل يضع مشروع محمد بن زايد الإقليمي تحت ضوء جارح: سلطة تستخدم الثروة والاتصالات الشخصية والأجهزة الأمنية لتصل إلى مركز القرار الأميركي من أقصر الطرق. والنتيجة السياسية لهذه المنظومة واضحة؛ فالسياسات التي تمس حياة ملايين البشر أصبحت موضوع تفاهمات داخل دوائر ضيقة لا ينتخبها أحد ولا يستطيع أحد مساءلتها.
يظهر جاريد كوشنر في قلب هذه البنية. لم يكن مجرد مستشار قريب من دونالد ترامب، بل نقطة التقاء بين العائلة الرئاسية ومصالح قادة الخليج. وفي هذا التداخل تحديدًا نشأت أخطر ثغرة في القرار الأميركي: أن يتحول القرب من الرئيس إلى امتياز سياسي يفتح الأبواب أمام حكومات أجنبية تريد تجاوز وزارة الخارجية والكونغرس والرقابة المؤسسية.
أكثر تفاصيل الكتاب إثارة تتعلق بما يسميه كول حساب «ألفا» في بنك أبوظبي الأول، المرتبط في روايته بمؤسسة «وطني الإمارات». المبلغ الذي يورده مذهل: نحو 750 مليون دولار تجمعت من مصادر خليجية منذ 2017. ويذكر المؤلف أن كوشنر كان يتمتع بصلاحية توقيع على الحساب، وإن لم يكن مالكه الشخصي. هذه ليست تفاصيل محاسبية هامشية؛ إنها لبّ السؤال عن كيفية انتقال المال من دوائر النفوذ إلى دوائر القرار.
وإذا كان «ألفا» يكشف حجم الأموال التي يتحدث عنها الكتاب، فإن «بيتا» يوسع الخريطة. يورد كول حسابًا آخر بمبلغ يقارب مليار دولار، ومسارًا يمر عبر أذربيجان باتجاه إسرائيل، إلى جانب قناة ثالثة ذات وظيفة دفاعية مرتبطة بإيران. ثلاثة مسارات في رواية واحدة، تتقاطع جميعها مع الملفات التي أرادت أبوظبي التأثير فيها: الترتيبات الأمنية، والتحالف مع إسرائيل، وإعادة صياغة أولويات واشنطن في المنطقة.
في مثل هذا المشهد لا تعود المصارف مجرد مؤسسات مالية، بل تصبح مفاتيح لفهم السلطة. فالمال الذي يقترب من الدوائر السياسية الحساسة يثير أسئلة لا تستطيع البيانات الدبلوماسية إغلاقها: من قرر إنشاء هذه المسارات؟ ومن منح صلاحيات الوصول إليها؟ وما الذي جرى على مستوى السياسات بالتوازي مع حركة الأموال؟ الكتاب يضع هذه الأسئلة في قلب العلاقة بين محمد بن زايد وكوشنر.
وتزداد القصة خطورة مع الرواية الاستخباراتية التي نقلها كول في المقتطف المنشور بمجلة «فانيتي فير»: أجهزة هولندية راقبت شاشة هاتف كوشنر وشاهدت وصوله إلى معلومات حسابات مرتبطة بتحويلات خليجية. هذا التفصيل يضيف بعدًا يتجاوز المال نفسه، إذ يضع أمن الاتصالات في الدائرة الرئاسية الأميركية ضمن سياق العلاقات السرية التي يتناولها التحقيق.
الأهم من ذلك كله أن الكتاب يضع سياسة أبوظبي الإقليمية في سياق مختلف. فالتقارب مع إسرائيل، وتقديم المواجهة مع إيران، وإزاحة القضية الفلسطينية عن مركز التفاوض، لم تكن أحداثًا منفصلة في منطق هذا المشروع. لقد شكلت معًا اتجاهًا سياسيًا يخدم تصورًا جديدًا للمنطقة، تكون فيه الأولوية للترتيبات الأمنية بين الحكومات، لا لحقوق المجتمعات التي ستتحمل عواقب تلك الترتيبات.
ومن هنا يبرز اسم إريك برينس، مؤسس «بلاك ووتر»، ضمن الشخصيات التي يتناولها الكتاب وناشره. وجود عالم الأمن الخاص في هذه الصورة يفتح سؤالًا إضافيًا عن الأدوات التي تستخدمها الدول حين تريد توسيع نفوذها خارج المسارات العسكرية والدبلوماسية التقليدية. إنها بيئة يختلط فيها رجل الأعمال بالمسؤول الأمني، والمستشار الرئاسي بصانع القرار الإقليمي.
ما يكشفه هذا التداخل ليس قوة العلاقات الإماراتية فحسب، بل هشاشة الضمانات التي يفترض أن تحمي السياسة العامة من نفوذ المال والعلاقات الشخصية. فحين تصبح قناة الاتصال الأقرب إلى الرئيس أكثر أهمية من المؤسسات، تتراجع الشفافية ويصبح من الصعب على الجمهور معرفة من يدفع ثمن القرارات ومن يجني فوائدها.
وفي حواره مع جون ستيوارت، أشار كول إلى أن العمل استغرق سنوات وأنه يثق بمصادره، بينما واجهه المحاور بأسئلة عن إمكانية اختبار بعض التفاصيل. وتكشف تلك المواجهة أن قوة الحكاية لا تعفيها من عبء الإثبات، خصوصًا حين تتعلق بمبالغ ضخمة ومؤسسات مصرفية وأشخاص في قلب السلطة.
ومع ذلك، فإن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو حصر القضية في رقم حساب أو خلاف تقني حول طبيعة مؤسسة مصرفية. القضية السياسية الأكبر هي النموذج الذي يعرضه الكتاب: محاولة توجيه مستقبل الشرق الأوسط عبر شبكة مصالح شخصية ومالية وأمنية، بدلًا من مؤسسات خاضعة للمساءلة. وهذا وحده كافٍ لجعل «أمراء ولصوص» نصًا مزعجًا لأبوظبي ولدوائر النفوذ التي بنتها حول واشنطن.
إن السؤال الذي يتركه الكتاب ليس ما إذا كان محمد بن زايد يملك علاقات نافذة في الولايات المتحدة؛ فهذه حقيقة سياسية ظاهرة. السؤال هو كيف استُخدمت تلك العلاقات، ومن امتلك حق التأثير في القرارات، وما الحدود التي فُرضت على أصحاب المال حين اقتربوا من السلطة. وفي هذه المنطقة الرمادية تتضح الكلفة الأخلاقية والسياسية لمشروع يريد إعادة تشكيل المنطقة من فوق رؤوس شعوبها.