في تصعيد جديد يكشف إلى أي مدى أصبحت حرية التعبير في الولايات المتحدة خاضعة للاعتبارات السياسية المرتبطة بإسرائيل، حذرت الكاتبة البريطانية الفلسطينية أروى مهداوي من أن انتقاد إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي قد يتحول إلى سبب كافٍ لحرمان المهاجرين من الحصول على “الغرين كارد”، وذلك بعد تحديثات جديدة أصدرتها إدارة دونالد ترامب بشأن ملفات الهجرة والإقامة الدائمة.
وتبدأ مهداوي مقالها بسخرية مريرة، قائلة: “لنلعب لعبة ممتعة اسمها: هل سيؤدي هذا إلى ترحيلي؟”، قبل أن تشير إلى أنها فلسطينية بريطانية تحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة، ثم تستعرض تقارير إخبارية حديثة عن إسرائيل، بينها تقرير نشرته صحيفة الغارديان يتحدث عن استخدام جنود ومستوطنين إسرائيليين للعنف الجنسي والتحرش والإذلال لإجبار الفلسطينيين على مغادرة منازلهم في الضفة الغربية، إضافة إلى تقرير لوكالة Reuters حول مقتل طفلة فلسطينية داخل صف دراسي في بيت لاهيا شمال غزة برصاص القوات الإسرائيلية.
وتؤكد الكاتبة أنه لا يوجد ما ينبغي أن يكون “مثيرًا للجدل” في مناقشة هذه الوقائع، تمامًا كما لا ينبغي أن يكون من الممنوع انتقاد دور الإمارات في حرب السودان أو انتقاد إعدام صحفي في السعودية، لكنها تشير إلى أن التعامل مع انتقاد الأنظمة الحليفة لواشنطن ليس متساويًا، وأن الأدلة الجديدة تشير إلى أن سلطات الهجرة الأمريكية بدأت بالفعل بمراقبة حسابات المتقدمين للحصول على الإقامة الدائمة بحثًا عمّا وصفته بـ“التفكير الخاطئ”، مع تركيز خاص على أي انتقاد لإسرائيل.
وبحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، فإن التوجيهات الجديدة الصادرة عن إدارة ترامب تسمح بحرمان المهاجرين من “الغرين كارد” بسبب آرائهم السياسية إذا اعتُبرت “معادية لأمريكا أو لإسرائيل”. كما طُلب من موظفي الهجرة إحالة أي حالات تتضمن “سلوكًا أو أيديولوجيا معادية لأمريكا أو سامية” إلى الإدارة العليا والمستشارين القانونيين لمراجعتها.
وتشير مهداوي إلى أن معاداة السامية أمر لا ينبغي التساهل معه أبدًا، لكنها تتهم إدارة ترامب بمحاولة توسيع تعريف المصطلح بشكل عدواني ليشمل الانتقاد المشروع للحكومة الإسرائيلية. وتلفت إلى أن أحد الأمثلة التي اعتُبرت سببًا محتملًا لرفض طلب الإقامة الدائمة هو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يقول: “أوقفوا الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين”، مع صورة للعلم الإسرائيلي وعليه علامة شطب، كما أن المشاركة في مظاهرات مؤيدة لفلسطين قد تُستخدم ضد المتقدمين بطلبات الهجرة.
ولا يتوقف الأمر عند إسرائيل فقط، إذ تتحدث التوجيهات الجديدة أيضًا عن “الأيديولوجيا المعادية لأمريكا”، وهو مفهوم تقول الكاتبة إنه جرى تعريفه بشكل فضفاض للغاية. ومن الأمثلة التي قد تُعتبر “علامة سلبية” حرق العلم الأمريكي، أو حتى حمل لافتة تدعو إلى “إسقاط الحكومة الأمريكية”، وهو ما قد يُستخدم، بحسب الكاتبة، ضد متظاهرين سلميين في احتجاجات سياسية.
وترى مهداوي أن ما يحدث يمثل تصعيدًا خطيرًا في الحرب على حرية التعبير داخل الولايات المتحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بفلسطين أو بانتقاد إسرائيل، في وقت تواصل فيه واشنطن تمويل إسرائيل سياسيًا وعسكريًا وتسليحيًا، بينما تتحدث في الوقت نفسه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي. وتقول إن المفارقة لم تعد مجرد ازدواجية معايير معروفة منذ سنوات، بل تحولت إلى سياسة علنية يجري فيها استخدام قوانين الهجرة وأجهزة الدولة لمعاقبة الآراء السياسية.
وتشير الكاتبة إلى أن إدارة ترامب تعمل بالتعاون مع جماعات مؤيدة لإسرائيل مثل “Canary Mission” و“Betar” لتعقب الطلاب والنشطاء المؤيدين لفلسطين تمهيدًا لاستهدافهم بالاحتجاز أو الترحيل. وتستشهد بقضية الطالبة التركية رميساء أوزتورك من جامعة Tufts University، والتي احتُجزت بعدما شاركت في كتابة مقال مؤيد لفلسطين في صحيفة طلابية تحدث عن “التجويع المتعمد والقتل العشوائي للمدنيين الفلسطينيين والاتهامات المعقولة بالإبادة الجماعية ضد إسرائيل”.
وتؤكد مهداوي أن المقال لم يتضمن شيئًا أكثر حدة من التقارير الإخبارية التي استشهدت بها في بداية نصها، ومع ذلك جرى التعامل معه باعتباره سببًا للاعتقال. كما تشير إلى محاولة إدارة ترامب ترحيل الناشط الفلسطيني محمود خليل، الحاصل على إقامة دائمة، بسبب نشاطه المؤيد لفلسطين، معتبرة أن هذه الحالات تُستخدم لتخويف الآخرين ودفعهم إلى الصمت.
وتنقل الكاتبة تحذيرات خبراء حقوقيين، بينهم براين هاوس من الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية American Civil Liberties Union، الذي أكد أن المحكمة العليا الأمريكية اعترفت منذ عقود بحق غير المواطنين المقيمين في البلاد في حرية التعبير وعدم التمييز ضدهم بسبب معتقداتهم السياسية، محذرًا من أن الحكومة تستخدم نظام الهجرة لقمع المعارضة السياسية، وأن الأمر لن يتوقف عند فلسطين أو إسرائيل.
كما تستشهد الكاتبة ببيانات حديثة صادرة عن مؤسسة Foundation for Individual Rights and Expression، أظهرت أن الطلاب في الجامعات الأمريكية، حتى داخل المؤسسات الليبرالية، باتوا يعتبرون الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الموضوع الأصعب والأكثر خطورة للنقاش العلني، بسبب الخوف من العقوبات أو الملاحقة أو فقدان الوضع القانوني.
وترى مهداوي أن ما يحدث يخلق “دوامة صمت”، حيث يؤدي استهداف فئة معينة بسبب آرائها السياسية إلى دفع الآخرين إلى الرقابة الذاتية والخوف من الكلام. وتختتم بالقول إن الطريقة الوحيدة لمواجهة هذه الحالة هي الاستمرار في الحديث وعدم الصمت، مؤكدة أن إدارة ترامب قد لا تحتاج حتى إلى إلغاء حرية التعبير رسميًا إذا أصبح الناس خائفين إلى درجة تمنعهم من استخدامها أساسًا.