في اللحظة التي كانت فيها الخرطوم تحترق تحت وابل من القصف المدفعي وغارات المسيّرات، كانت طائرات إماراتية تهبط في صحراء شرق تشاد محمّلة بما تُسجله الوثائق الرسمية على أنه “شحنات طبية وإنسانية” موجهة إلى مستشفى ميداني في مدينة أمدجراس.
لكن خلف هذه الصورة المشرقة التي رسمتها البيانات الإماراتية بعناية، كانت تُدار واحدة من أعقد عمليات التضليل السياسي والعسكري في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، كما تكشف نيويورك تايمز في تحقيقها المطوّل القائم على وثائق استخباراتية أميركية وشهادات دبلوماسية وأممية، أظهرت أن العمل الإنساني لم يكن سوى غطاء لعمليات نقل منظم للطائرات المسيّرة والذخائر والأسلحة إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، بإشراف مباشر من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس دولة الإمارات، الذي أحكم خيوط شبكة متعددة المستويات جمعت بين المال والسلاح والإعلام والدبلوماسية في منظومة واحدة هدفها النهائي تمكين قوات حميدتي من فرض السيطرة على الأرض.
توضح الصحيفة أن هذه العمليات جرى تنفيذها تحت مظلة مؤسسات رسمية وجمعيات خيرية مسجلة، ما منحها مظهرًا قانونيًا أمام المجتمع الدولي. الرحلات الجوية التي كانت تقلع من مطارات إماراتية باتجاه شرق تشاد كانت تُسجّل ضمن منظومة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، وتُرفق بوثائق تشير إلى أن حمولتها مخصصة لتقديم الدعم الطبي للنازحين. غير أن الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية، وتقارير المراقبة الأممية، كشفت أن جزءًا كبيرًا من هذه الشحنات لم يصل قط إلى المستشفى الميداني، بل نُقل مباشرةً إلى مخازن مؤقتة في الصحراء، قبل أن تتولّى شاحنات صغيرة مجهّزة بنظام تحديد المواقع نقلها إلى نقاط حدودية مع السودان، حيث كان عناصر الدعم السريع في انتظارها لتوزيعها على وحداتهم القتالية. بعض موظفي الأمم المتحدة العاملين في نجامينا لاحظوا اختفاء شحنات بأكملها بعد تفريغها، وقال أحدهم للصحيفة إن “الصناديق التي كانت موسومة بشعارات الهلال الأحمر لم يُعرف مصيرها، لكن الجميع في الميدان كان يدرك أنها لم تكن تحوي أدوية.”
لم تقتصر الخدعة على الجانب اللوجستي فحسب، بل امتدت إلى المستوى الدبلوماسي، حيث لعبت السفارات الإماراتية في تشاد وإثيوبيا والسودان دورًا مباشرًا في تنسيق هذه العمليات. كان القنصل الإماراتي في نجامينا يتلقى اتصالات مباشرة من مكتب الشيخ منصور في أبو ظبي، يتلقّى منها التعليمات المتعلقة بمواعيد الرحلات وأسماء الجمعيات المشرفة على الشحنات وتفاصيل استقبالها في المطار. في المقابل، كانت وزارة الخارجية الإماراتية تُصدر بيانات متكررة تنفي فيها أي دعم عسكري لطرفي الصراع، وتؤكد التزام أبو ظبي بالحياد وبدورها كـ”شريك إنساني فاعل” يسعى لإنهاء الحرب. أحد مسؤولي الاستخبارات الأميركية وصف هذا الإنكار بأنه “مبني بدقة قانونية لتوفير غطاء سياسي يصعب اختراقه”، موضحًا أن البنية الرسمية التي صُممت لتبرير هذه العمليات تجعل من شبه المستحيل تحميل القيادة الإماراتية مسؤولية مباشرة أمام القانون الدولي.
في يوليو 2023، رفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) تقريرًا سريًا إلى البيت الأبيض يتضمّن أدلة مصوّرة عن علاقة الإمارات المباشرة بالعمليات الميدانية لقوات الدعم السريع. التقرير احتوى على صور التُقطت بالأقمار الصناعية تُظهر طائرات مسيّرة من النوع ذاته الذي استُخدم في ليبيا وإثيوبيا، وهي تُنقل من مواقع تخزين داخل تشاد إلى الأراضي السودانية، بعد أيام قليلة فقط من رحلات إماراتية وصفت في سجلات الأمم المتحدة بأنها “رحلات إنسانية”. كما تضمن التقرير تسجيلات اتصالات جرت بين مسؤولين إماراتيين وقيادات في الدعم السريع. ومع أن الأدلة كانت كافية، فإن إدارة الرئيس جو بايدن اختارت تجاهل الملف علنًا، تجنّبًا لتوتير العلاقات مع أبو ظبي في لحظة حساسة من التفاهمات الدفاعية والاقتصادية، خصوصًا مع توسع النفوذ الصيني في الخليج. ونقلت الصحيفة عن أحد كبار المسؤولين قوله: “نحن نعرف ما يفعلونه، لكننا لا نستطيع قول ذلك علنًا.”
في موازاة ذلك، كانت الإمارات تتحرك داخل أروقة الأمم المتحدة لإجهاض أي محاولة لفتح تحقيق رسمي في مصادر تمويل الحرب في السودان. ففي أكتوبر من العام نفسه، قدّمت بريطانيا مشروع قرار إلى مجلس الأمن يقترح تشكيل لجنة تقصّي حقائق حول دعم الأطراف الإقليمية للصراع، لكن الإمارات، عبر بعثتها الدائمة في نيويورك، شنت حملة دبلوماسية مكثفة لإقناع عدد من الدول الأفريقية والأوروبية بعدم تأييده. وبحسب دبلوماسيين اطلعوا على مجريات الاجتماعات، استخدمت أبوظبي نفوذها الاقتصادي عبر صناديقها الاستثمارية الكبرى مثل “مبادلة” و”أدنوك” للضغط غير المباشر على بعض الدول التي تعتمد على الاستثمارات الإماراتية. خلال أيام، تراجعت عدة بعثات عن دعم المشروع، وتم إسقاطه قبل الوصول إلى مرحلة التصويت، ما أدى إلى تجميد الملف تمامًا داخل المجلس.
لم تكتفِ الإمارات بهذا النجاح الدبلوماسي، بل أتبعتَه بحملة إعلامية مدروسة هدفت إلى إعادة صياغة صورتها في الوعي الدولي. القنوات التلفزيونية والصحف الممولة من أبوظبي، داخل المنطقة وخارجها، بدأت تبث تقارير تُبرز “الجهود الإنسانية الإماراتية في السودان”، في حين كانت القوات المدعومة من أموالها تُتهم بارتكاب انتهاكات مروعة في الخرطوم ودارفور. أُنتجت مواد دعائية تظهر شحنات الإغاثة وهي تُحمّل في الطائرات، بينما تُخفي العدسات وجهتها الحقيقية. كما استعانت الإمارات بشركات العلاقات العامة التي استخدمها الشيخ منصور سابقًا في إدارة ملفي نادي مانشستر سيتي وصفقة شراء صحيفة ديلي تلغراف، لصياغة البيانات الإعلامية باللغة الإنجليزية وتوزيعها على الوكالات الغربية. بذلك نجحت أبوظبي، مؤقتًا على الأقل، في تسويق نفسها كوسيط سلام لا كطرف ممول للحرب.
أما في العواصم الغربية، فكان الصمت هو العنوان. الولايات المتحدة، رغم امتلاكها المعلومات الكاملة، لم تفرض أي عقوبات أو قيود اقتصادية على الإمارات، بينما تجاهلت الحكومة البريطانية نداءات منظمات حقوقية طالبت بفتح تحقيق في أنشطة الشركات الإماراتية العاملة في تشاد والسودان. تقول الصحيفة إن الأموال التي ضختها صناديق الاستثمار الإماراتية في الأسواق الأوروبية والأميركية —والتي تجاوزت قيمتها 85 مليار دولار— لعبت دورًا حاسمًا في إسكات المواقف الرسمية، إذ لم يكن لأي دولة مستفيدة من تلك الاستثمارات مصلحة في توجيه اتهام مباشر لأبوظبي.
لكن مع مطلع عام 2024 بدأ الغطاء في التآكل. ففي مايو من ذلك العام، شنت قوات الدعم السريع هجومًا مكثفًا على مطار الخرطوم الدولي وخزان وقود رئيسي ومحطة كهرباء، مستخدمةً طائرات مسيّرة من طرازات صينية كانت واشنطن قد رصدت دخولها من الأراضي التشادية ضمن الشحنات الإماراتية. أدت الهجمات إلى شلل كامل في العاصمة وأزمة إنسانية جديدة، ما دفع المبعوث الأميركي إلى السودان، توم بيرييلو، إلى زيارة أبوظبي ومواجهة الشيخ منصور بالأدلة في لقاء مغلق حضره دبلوماسيون من وزارة الخارجية الأميركية. ووفقًا لمصادر مطلعة تحدّثت إلى الصحيفة، عرض بيرييلو صور الأقمار الصناعية والتسجيلات الصوتية التي تُظهر مسار الشحنات وتفاصيل الاتصالات بين مكتب منصور وقادة الدعم السريع، لكن نائب رئيس الإمارات لم يُنكر صراحة، واكتفى بالقول إن “الإمارات لا يمكن أن تُلام على ما يفعله الآخرون، وإن أعداء السلام في المنطقة هم من يسعون لتشويه دورها.”
انتهى اللقاء دون نتائج ملموسة، لكن ما دار فيه شكّل نقطة تحوّل في موقف واشنطن، حيث بدأت المؤسسات الأمنية الأميركية —وإن بصمت— في إعادة تقييم علاقتها الوثيقة مع أبوظبي، خصوصًا بعد أن ثبت أن بعض الأسلحة الممولة إماراتيًا استخدمت ضد مدنيين. ومع ذلك، ظل الموقف الرسمي متحفظًا خشية الإضرار بالعلاقات الدفاعية المعقّدة التي تشمل صفقات بمليارات الدولارات. وفي ختام الجزء الثاني من هذا التحقيق، تخلص الصحيفة إلى أن الإمارات، عبر الشيخ منصور، نجحت في بناء شبكة معقّدة من التحالفات والواجهات القانونية والغطاءات الإنسانية التي سمحت لها بتمويل واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا دون أن تواجه مساءلة مباشرة، بينما استمرت في تقديم نفسها للعالم كقوة استقرار وسلام. وهكذا، فإن الوجه “الإنساني” الذي روّجت له أبوظبي لم يكن سوى القناع الذي أخفى ماكينة ضخمة من المال والسلاح والإعلام، تُدار من غرف مكيفة في الخليج وتُشعل حربًا تحرق ما تبقّى من السودان.
رغم كل ما جمعته الأجهزة الأميركية من أدلة وتقارير وصور أقمار صناعية وتسجيلات لمكالمات مباشرة بين الشيخ منصور بن زايد وقائد قوات الدعم السريع، ورغم إقرار مسؤولين في البيت الأبيض بأنهم “يعرفون تمامًا ما تفعله الإمارات”، فإن شيئًا لم يتغيّر. فالصمت الأميركي لم يكن عجزًا، بل تواطؤًا واعيًا يُغلفه خطاب دبلوماسي غامض عن “السلام والاستقرار”. لقد اختارت واشنطن أن تُدير وجهها عن الحقائق حفاظًا على مصالحها وصفقاتها مع أبوظبي، لتصبح شريكًا صامتًا في عملية خداعٍ عالمية، تُدار فيها الحروب باسم المساعدات، وتُغسل فيها الجرائم بلغة الإنسانية.