لم يكن اليمنيون بحاجة إلى كارثة جديدة تضاف إلى سجل معاناتهم الطويل، لكن الأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت العاصمة المؤقتة عدن جنوب البلاد خلال الساعات الماضية جاءت لتؤكد هشاشة البنية التحتية وانعدام الجاهزية لمواجهة الكوارث الطبيعية، في بلد أنهكته الحرب وانقسامات القوى المحلية والإقليمية.
ووفق شهود عيان وتقارير رسمية، أصيب عدد من المواطنين جراء السيول، في وقت لحقت أضرار مادية جسيمة بمنازل ومحال تجارية، خصوصًا في حي المعلا، أحد أكثر أحياء عدن اكتظاظًا بالحركة التجارية.

أضرار بشرية ومادية.. ونداءات عاجلة
مكتب وزارة الإعلام أوضح أن محافظ عدن أحمد حامد لملس وجّه بتقديم الرعاية الصحية للمصابين على نفقة السلطة المحلية، في محاولة لتخفيف وقع الكارثة على المتضررين. إلا أن غياب إحصائية دقيقة لعدد المصابين يكشف مرة أخرى ضعف التنسيق المؤسسي وغياب منظومة إغاثة طارئة يمكنها التدخل الفوري.
الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت شوارع غارقة، مركبات جرفتها المياه، وأهالي يحاولون إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم وسط ظروف صعبة.
مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر حذّر من استمرار هطول الأمطار خلال الساعات المقبلة، ودعا المواطنين إلى أخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن مجاري السيول والأودية. لكن هذه التحذيرات لا تغير من الواقع شيئًا، إذ لا وجود لقنوات تصريف أو خطط طوارئ منظمة، وهو ما يجعل كل موجة مطر بمثابة تهديد مباشر للأرواح والممتلكات.
هشاشة البنية التحتية.. وجه آخر للحرب
السيول التي أغرقت عدن ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل انعكاس صارخ لسنوات طويلة من التهميش والإهمال المتعمد للبنية التحتية. فالحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات دمّرت الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وفتحت الباب واسعًا أمام الانهيارات المتكررة عند أي منخفض جوي.
وهنا يبرز دور الإمارات التي أحكمت قبضتها على عدن منذ عام 2015 تحت لافتة “التحالف العربي”، لكنها بدلاً من إعادة الإعمار أو تحسين الخدمات، انشغلت ببسط نفوذها عبر مليشيات مسلحة وصراعات داخلية أدت إلى تآكل مؤسسات الدولة. وباتت المدينة، التي من المفترض أن تكون العاصمة المؤقتة لليمن، تعيش على وقع الأزمات اليومية، من انقطاع الكهرباء والمياه، إلى انهيار شبكات الطرق التي تتحول في موسم الأمطار إلى برك ومستنقعات.
اليمن بين الحرب والكوارث الإنسانية
الكارثة الطبيعية الأخيرة تأتي في سياق إنساني مأساوي. فقد حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الشهر الماضي من احتمال ظهور “بؤر مجاعة” في اليمن خلال الأشهر المقبلة، مؤكداً أن ملايين السكان يعيشون حالة جوع حاد.
الأمطار والسيول تعني مزيدًا من التلوث وانتشار الأوبئة، خصوصًا الكوليرا التي سبق أن حصدت أرواح آلاف اليمنيين. ومع كل موجة فيضانات جديدة، تزداد احتمالية تلوث مياه الشرب وتفشي الأمراض وسط غياب شبه كامل للخدمات الصحية.
ويُضاف إلى ذلك أن استمرار الحرب بين الحكومة الشرعية والحوثيين، مع التدخلات السعودية والإماراتية والإيرانية، جعل البلاد رهينة لصراعات إقليمية لا تضع في أولوياتها إنقاذ اليمنيين من الجوع أو الكوارث.
التهدئة الهشة القائمة منذ عامين لم تتحول إلى سلام حقيقي، ولم تُترجم إلى إعادة إعمار أو إصلاح للبنية التحتية. وبالتالي، يبقى المواطن البسيط هو الضحية الأولى لكل منخفض جوي، وكل فيضان، وكل أزمة سياسية.
الإمارات وإشعال الحرب.. انعكاسات طويلة
منذ تدخلها العسكري في اليمن، روّجت الإمارات لنفسها كقوة “تحرير” من هيمنة الحوثيين، لكنها في الواقع حولت الجنوب إلى ساحة صراع جديدة عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتفكيك مؤسسات الدولة.
عدن، التي كان يُفترض أن تتحول إلى نموذج للاستقرار والتنمية، صارت مدينة غارقة في الفوضى. ولم تتوقف أبوظبي عند حدود تعطيل الحكومة الشرعية، بل أسهمت في إشعال حرب داخل الحرب، ما جعل أي جهد لإعادة بناء البنية التحتية أو مواجهة الكوارث الطبيعية شبه مستحيل.
اليوم، حين تتساقط الأمطار وتفيض السيول، يتذكر اليمنيون أن غياب التخطيط العمراني، وانعدام مشاريع الصرف الصحي، وفقدان شبكات إنذار مبكر فعالة، ليست مجرد أخطاء عابرة، بل نتيجة مباشرة لسياسات إهمال متعمد وتفكيك ممنهج مارسته قوى إقليمية، في مقدمتها الإمارات، خدمة لمشاريع نفوذها في الموانئ والممرات البحرية.
الخلاصة: مأساة متكررة بلا حلول
ما جرى في عدن ليس حدثًا استثنائيًا، بل حلقة جديدة من مسلسل طويل يتكرر مع كل موسم أمطار. إصابات بين المواطنين، خسائر مادية واسعة، شوارع غارقة، ووعود رسمية بالتحقيق والمعالجة سرعان ما تتبخر.
والسبب الأعمق أن الحرب حوّلت اليمن إلى دولة منهكة لا تملك القدرة على حماية سكانها من الكوارث الطبيعية.
اليمنيون يدركون أن معاناتهم مع السيول ليست مجرد أزمة بيئية، بل نتيجة مباشرة لغياب الدولة واهتراء مؤسساتها تحت ضغط حرب أشعلتها قوى داخلية وخارجية، وفي مقدمتها الإمارات التي قدّمت أجندتها التوسعية على حساب حياة الناس.
ومع استمرار غياب الحلول الجذرية، ستبقى عدن وغيرها من المدن اليمنية رهينة لمعادلة مأساوية: كل قطرة مطر قد تتحول إلى كارثة جديدة.
اقرأ أيضًا : السودان.. معارك ساخنة وتحولات دولية والإمارات في قلب الدمار