من جديد، تطفو على السطح أطماع دولة الإمارات العربية المتحدة، ليس عبر الدبابات أو السلاح، بل عبر ما تسميه بروكسل بـ”الإعانات الأجنبية المشوهة للسوق”.
ففي خطوة غير مسبوقة، فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقًا معمقًا في صفقة استحواذ شركة “أدنوك” الإماراتية على عملاق الصناعات الكيميائية الألمانية “كوفيسترو” بقيمة تقارب 15 مليار يورو، وسط مخاوف جدّية من استخدام أموال الدولة النفطية لتخريب قواعد المنافسة في السوق الأوروبية.
التحقيق، الذي فُتح رسميًا لا يتعلق فقط بمصير شركة ألمانية عريقة، بل بمستقبل استقلال أوروبا الصناعي، وبمدى قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة تغوّل رؤوس الأموال السياسية القادمة من أنظمة استبدادية.

دعم حكومي بلا حدود: كيف تُشترى الشركات الأوروبية؟
بحسب وثائق التحقيق، فإن شركة أدنوك – وهي ذراع سيادية بالكامل لحكومة أبوظبي – حصلت على دعم مالي حكومي غير محدود لتمويل هذه الصفقة، عبر ضمانات مباشرة، وزيادات رأسمالية ضخمة من صندوق الثروة الإماراتي.
هذه الإعانات، وفق المفوضية، منحت “أفضلية تنافسية غير عادلة” لأدنوك، ومكّنتها من تقديم عروض استحواذ لا يمكن لشركات أوروبية مماثلة مجاراتها.
وبينما توصف الصفقة رسميًا بأنها “عملية تجارية”، فإن طبيعتها السياسية لا يمكن إنكارها، إذ تموّلها دولة خليجية غير ديمقراطية لها سجل طويل في استخدام المال لأهداف جيوسياسية، من تمويل الانقلابات إلى غسيل السمعة عبر الشركات الأوروبية ذاتها.
كوفيسترو.. جوهرة الصناعة الألمانية في مرمى القناص الخليجي
شركة “كوفيسترو” ليست مجرد مصنع كيميائي، بل هي واحدة من أركان الصناعة الألمانية الحديثة، وتركّز على إنتاج مواد متقدمة تُستخدم في صناعة السيارات والطيران والبنية التحتية والتكنولوجيا الخضراء. أي استحواذ أجنبي عليها، لا سيما من جهة خارجية ذات أجندة سياسية، يثير قلقًا بالغًا في برلين وبروكسل على حد سواء.
وقد عارضت دوائر في الصناعة الألمانية هذه الصفقة منذ بدايتها، محذّرة من “فقدان التكنولوجيا لصالح أنظمة غير ديمقراطية” على حد تعبير أحد كبار المدراء في رابطة الصناعة الكيميائية الأوروبية.
لكن الإمارات، كالعادة، تسير بلا اكتراث بالقوانين أو التقاليد، مستغلة فائضها المالي لتوسيع شبكات نفوذها عبر شراء الأصول الاستراتيجية، حتى لو أدى ذلك إلى خرق قوانين المنافسة أو الإضرار باستقلال أوروبا الصناعي.
قانون جديد يضع الإمارات تحت المجهر
للمرة الأولى، يُطبّق قانون “الإعانات الأجنبية” الأوروبي (FSR)، الذي دخل حيز التنفيذ في 2023، ضد دولة خليجية. وينص هذا القانون على أن أي شركة أجنبية تستفيد من إعانات حكومية غير أوروبية – سواء بشكل مباشر أو غير مباشر – يجب أن تخضع لفحص صارم قبل تنفيذ عمليات الاستحواذ الكبيرة داخل السوق الأوروبية.
وقد أصبح هذا القانون ضرورة ملحّة بعد أن أظهرت الصين والإمارات وقطر وروسيا قدرات مالية هائلة للهيمنة على أصول أوروبية دون مراعاة للشفافية أو حقوق العمال أو القيم الديمقراطية. والآن، أدنوك هي أول اختبار حقيقي لهذه المعايير الجديدة.
ووفق بيان المفوضية الأوروبية، فإن “التحقيق لا يشكك فقط في تمويل الصفقة، بل في التبعات المحتملة لها على المنافسة، واستقلال صناعة التكنولوجيا المتقدمة في أوروبا”.
الأموال مقابل النفوذ.. هذه ليست صفقة اقتصادية
الإمارات لا تشتري شركة، بل تشتري مدخلًا إلى مستقبل أوروبا الصناعي. فقد سبقت هذه الصفقة محاولات مماثلة من قبل أبوظبي للسيطرة على أصول حساسة في قطاع الموانئ (مثل ميناء هامبورغ)، والطاقة المتجددة، بل حتى الأندية الرياضية والثقافية.
هذا السلوك يعكس سياسة خارجية مبنية على شراء النفوذ بدل بنائه بوسائل مشروعة، مما يحوّل المال إلى أداة هيمنة لا تقل خطرًا عن السلاح.
وإذا كانت الصين متهمة بـ”دبلوماسية الفخاخ الاقتصادية”، فإن الإمارات تحاكي ذلك بأسلوب أكثر نعومة، لكن أكثر خطورة، لأنها تغلفه بشعارات “الاستثمار والتنمية” وتغري الحكومات الأوروبية العطشى للسيولة بعد أزمات متتالية.
اختبار حاسم لأوروبا.. هل تنحني لأموال البترودولار؟
يبقى السؤال: هل تستطيع المفوضية الأوروبية الوقوف في وجه هذا النفوذ النفطي؟ وهل ستمتلك الشجاعة لمنع الصفقة أو فرض شروط صارمة على تنفيذها؟
حتى اللحظة، التحقيق مستمر حتى 2 ديسمبر 2025، ومن المتوقع أن تطلب المفوضية من أدنوك تقديم تنازلات، أو الشفافية في مصادر تمويلها، أو حتى سحب العرض بالكامل.
لكن إذا تم تمرير الصفقة دون ضبط، فإنها ستكون سابقة خطيرة، وستفتح الباب على مصراعيه لهيمنة المال السياسي القادم من الخليج وشرق آسيا على الشركات الأوروبية، مما يُفقد السوق حريته ويضعف سيادة القرار الأوروبي.
أوروبا ليست للبيع.. ولا التكنولوجيا الألمانية سلعة سياسية
ما يجب أن يفهمه قادة الإمارات هو أن أوروبا ليست سوقًا مفتوحة لشراء كل ما يُمكن شراؤه، وأن التكنولوجيا الألمانية ليست سلعة تُقتنى كالنخيل أو البنايات الفارغة في دبي. هنالك خطوط حمراء تتعلق بالأمن الاقتصادي، والكرامة الصناعية، واستقلال القرار الأوروبي.
وإذا كانت أوروبا قد تأخرت كثيرًا في فرض قيود على رؤوس الأموال المشبوهة، فقد حان الوقت لإرسال رسالة واضحة: لا مكان لأموال بلا شفافية، ولا لاستحواذات تحمل خلفها مشاريع سياسية مشبوهة، مهما كان بريق الدولار النفطي مغريًا.
صفقة “كوفيسترو” ليست معركة اقتصادية فقط
في المحصلة، صفقة “أدنوك – كوفيسترو” ليست مجرد استثمار، بل هي رأس جبل جليدي يمثل ظاهرة خطيرة تتوسع باطّراد: غزو اقتصادي بتمويل سياسي من أنظمة غير ديمقراطية تسعى لاختراق بنى أوروبا الداخلية.
التحقيق الأوروبي ليس فقط حماية لمصالح شركة ألمانية، بل هو دفاع عن استقلال القارة، وعن مبدأ أن رأس المال لا يجب أن يكون أداة للهيمنة أو الابتزاز.
ولعل بروكسل تدرك اليوم أن مواجهة هذه السياسات تتطلب أكثر من قوانين.. إنها تحتاج لإرادة سياسية لا تخاف من الاصطدام بحكومات تعتقد أن بإمكانها شراء العالم.
اقرأ أيضًا :الإمارات والمرتزقة وراء الفوضى.. والشرطة السودانية تؤكد تراجع النهب المسلح في الخرطوم