لم تعد قضية الدكتور حسام أبو صفية مجرد ملف اعتقال تعسفي جديد داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي. ما تكشفه شهادات عائلته ومحاميه ومنظمات طبية وحقوقية يؤكد أن حياته باتت في خطر وشيك، وأن الاحتلال يواصل تعذيبه وعزله وحرمانه من العلاج، بعد أن اختطفه من غزة واحتجزه دون تهمة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.

الدكتور حسام أبو صفية، طبيب الأطفال والمدير السابق لمستشفى كمال عدوان شمالي غزة، كان واحدًا من أبرز الوجوه الطبية التي بقيت مع المرضى خلال الإبادة، ورفض مغادرة المستشفى بينما كان الاحتلال يحاصر شمال غزة ويجوع سكانه ويدمر منظومته الصحية. اليوم، يعاقبه الاحتلال على دوره الإنساني، ويحوّله إلى هدف داخل السجن، كما حوّل الأطباء والممرضين والمستشفيات في غزة إلى أهداف مباشرة خلال الحرب.

نجل الدكتور، إلياس أبو صفية، قال إن العائلة تشعر بأنها تُركت وحدها، وإن والده تُرك ليموت في زنزانة إسرائيلية، محملًا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية مسؤولية تدهور حالته الصحية. لم تعد العائلة تطلب بيانات قلق أو مناشدات بطيئة؛ بل تطالب بتدخل عاجل لإنقاذ حياته قبل فوات الأوان.

في الثاني من يوليو/تموز، زار المحامي ناصر عودة الدكتور حسام أبو صفية في منشأة التحقيق تحت الأرض “راكيفيت” داخل سجن نيتسان شمالي فلسطين المحتلة. ما رآه المحامي كان صادمًا: لم يستطع التعرف عليه بسهولة بسبب إصابات جديدة في وجهه ورأسه، وكان شديد الضعف، يعاني صعوبة في التنفس والكلام، وفي حالة نفسية منهارة.

ونقل المحامي عنه كلمات تلخص خطورة ما يجري:

“هذه آخر مرة ستراني فيها… أحضروني إلى هنا ليقتلوني. لا أرى نفسي ناجيًا. هذه هي النهاية.”

هذه ليست صرخة سجين عادي، بل إنذار أخير من طبيب فلسطيني يتعرض للتعذيب والعزل والحرمان من العلاج في منشأة إسرائيلية، بينما يعرف العالم اسمه وحالته ومكان احتجازه.

بحسب منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل، تعرض الدكتور حسام أبو صفية لاعتداء وحشي قبل جلسة قضائية في يونيو/حزيران، حين دخل أربعة أو خمسة من حراس السجن إلى زنزانته واعتدوا عليه بمطرقة وهراوات معدنية، ما تسبب بإصابات في جسده ورأسه. وبعد نقله إلى منشأة “راكيفيت”، تعرض لضرب يومي أدى في أكثر من مرة إلى فقدانه الوعي.

وتزداد خطورة حالته بسبب إصابات سابقة لم تُعالج. فما زالت في ساقه ست شظايا من استهداف بطائرة كوادكوبتر عام 2024، حين قصف الاحتلال عائلته وهم نائمون داخل مستشفى كمال عدوان. الجرح ما زال ينزف ويتورم، بينما يواصل الاحتلال حرمانه من الرعاية الطبية اللازمة. كما أصيب داخل السجن بتضخم في القلب نتيجة ارتفاع ضغط الدم، في ظل التعذيب والإهمال الطبي والعزل الانفرادي.

منذ الشهر الماضي، يحتجز الاحتلال الدكتور حسام أبو صفية في العزل الانفرادي، ويمنعه من العلاج المستقل والفحص الطبي الحقيقي. ومع تدهور صحته، حذرت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل من أن حياته في خطر داهم، وطالبت بالإفراج الفوري عنه. لكن سلطات الاحتلال رفضت التماسًا أمام المحكمة للإفراج عنه وعن أطباء آخرين من غزة، واكتفت بالقول إنه خضع لفحوصات طبية، دون أن تفسر سبب هذه الفحوصات أو ترد على أدلة التعذيب والإصابات الخطيرة.

قضية الدكتور حسام لا تنفصل عن استهداف الاحتلال المنهجي للقطاع الصحي الفلسطيني. فإسرائيل تحتجز حاليًا 14 طبيبًا آخر من غزة دون تهمة، بينما تؤكد شهادات جمعتها منظمات طبية أن الدكتور حسام استُهدف بشكل خاص بالإهانة والتجويع والتعذيب الشديد من قبل جنود الاحتلال.

هذا النمط ليس جديدًا. الطبيب عدنان البرش، رئيس قسم العظام في مستشفى الشفاء، اعتقله الاحتلال في ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم أُعلن عن استشهاده داخل السجن في أبريل/نيسان 2024 بعد تعرضه للضرب والتعذيب والاعتداءات الوحشية، وفق شهادات أسرى فلسطينيين مفرج عنهم. وحتى اليوم، يواصل الاحتلال احتجاز جثمانه. إن مصير عدنان البرش يطارد عائلة الدكتور حسام أبو صفية، ويجعل التحذير من موته داخل السجن خطرًا واقعيًا لا افتراضًا.

قبل اعتقاله، ظل الدكتور حسام يدافع عن مرضاه في مستشفى كمال عدوان، ويتحدث علنًا عن المجاعة وإصابات الأطفال وجرائم الاحتلال بحق المدنيين. لم يغادر المستشفى رغم القصف والحصار، ولم يتخل عن مسؤوليته تجاه المرضى، فتحول إلى رمز للصمود الطبي في شمال غزة. ومن أجل ذلك تحديدًا، يبدو أن الاحتلال يصر على كسره داخل السجن.

عائلة الدكتور دفعت ثمنًا مضاعفًا. فقد قتل الاحتلال نجله إبراهيم، البالغ من العمر 20 عامًا، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وتعتقد العائلة أن قتله كان استهدافًا انتقاميًا بسبب موقف والده. اليوم، لا تعرف العائلة هل تحزن على الابن الذي قُتل، أم على الأب الذي يُعذّب ببطء خلف القضبان.

ما يحدث للدكتور حسام أبو صفية هو جريمة مكتملة الأركان: اعتقال دون تهمة، تعذيب، عزل انفرادي، حرمان من العلاج، استهداف طبيب بسبب عمله الإنساني، وتركه في حالة صحية قد تنتهي بالموت. المسؤولية المباشرة تقع على الاحتلال الإسرائيلي، لكن الصمت الدولي يحول هذه المسؤولية إلى تواطؤ.

المؤسسات الطبية الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والجمعيات الطبية، وكليات طب الأطفال، مطالبة بالتحرك الفوري. لا يكفي أن يُذكر اسمه في البيانات، ولا يكفي أن تُسجل حالته كرقم جديد في ملف الأسرى. المطلوب ضغط دولي عاجل لإطلاق سراحه، وضمان فحص طبي مستقل، وإنهاء احتجاز جميع العاملين الصحيين الفلسطينيين الذين اختطفهم الاحتلال من غزة.

إنقاذ الدكتور حسام أبو صفية اليوم ليس قضية إنسانية فردية فقط، بل اختبار أخلاقي للمجتمع الطبي والحقوقي العالمي. إذا تُرك طبيب أطفال معروف، وموثقة حالته، ومرصودة إصاباته، ليموت تحت التعذيب داخل سجون الاحتلال، فماذا بقي من حماية القانون الدولي للأطباء والمستشفيات والمرضى؟ أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية قبل أن يتحول اسمه إلى شهيد جديد في سجون الاحتلال.