لم تعد كلمة “الحرب” تصف ما يحدث في قطاع غزة. ولم يعد القصف مجرد “هجوم عسكري”. في شمال القطاع، وتحديدًا في بيت لاهيا، تغدو الحياة أشبه بمشهد من أهوال يوم القيامة، حيث تتشابك المجاعة والموت والدمار واليأس في لوحة مروعة من البؤس الإنساني. فالمجازر تتكرر، والجثث تتناثر، والمنازل تنهار فوق رؤوس أصحابها. أما من نجا، فيحمل على جسده تراب الركام وفي قلبه موتًا مؤجلًا، يترقبه في كل لحظة.

تلك المشاهد اليومية دفعت كثيرين في القطاع لوصف ما يعيشونه بأنه “يوم قيامة حقيقي”، لا استعارة فيه ولا مبالغة. هي نبوءة الهلاك وقد تحققت، بينما العالم يتفرج، وتُعقد القمم وتُتلى التصريحات، لكن لا أحد يوقف آلة الإبادة التي تواصل طحن الحياة في غزة.

بيت لاهيا تحت النار.. العائلات تُفنى وتُقبر تحت الأنقاض

ليلة من “أصعب الليالي” مرت على بيت لاهيا، شمال قطاع غزة، بحسب وصف ناجين من المنطقة، إذ بدأ القصف قبل منتصف الليل واستمر لساعات، مترافقًا مع دوي المدافع والانفجارات المتواصلة. لم تسلم منازل المدنيين، ولم تُستثنَ عائلة أو زقاق، وتحولت الأحياء إلى رماد.

شهدت البلدة واحدة من أبشع المجازر، حيث أُبيدت عائلات كاملة تحت الركام، من دون أي إنذار، ومن دون أن يجد الجيران سوى الأشلاء المغطاة بالغبار والدم. أطفال يُسحبون من تحت الأنقاض بلا أطراف، نساء يُنتشلن وهن ممزقات، وآباء يصرخون من هول الفقد.

لم يُصدر جيش الاحتلال أي توضيح، ولم يتبنَّ الغارات مباشرة، لكنه كان قد صرّح سابقًا أنه “يأخذ أقصى الاحتياطات لتجنب استهداف المدنيين”، رغم أن النتائج على الأرض تؤكد عكس ذلك. فأوامر الإخلاء لم تشمل بيت لاهيا، ومناطق كاملة هُجّرت دون سابق إنذار، في واحدة من أكثر موجات القتل كثافة منذ اندلاع الحرب.

“الموت جوعًا أو تحت القصف”

بعد المجازر، لم يعد هناك ما يُحمل سوى الذكريات والألم. آلاف العائلات غادرت بيت لاهيا نحو الجنوب، بحثًا عن ملاذ، لكن ما وجدوه في مدينة غزة لم يكن أرحم. خيام مكتظة، منازل مكدسة بالنازحين، وشوارع تغص بالبشر الباحثين عن مكان يجلسون فيه، ولو تحت الشمس.

ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي المفروض منذ أكثر من 11 أسبوعًا، تقلّصت كميات الغذاء والدواء حتى اختفت تقريبًا. أصبح الدقيق عملة نادرة، تُباع بأضعاف ثمنها، وابتكر السكان وسائل بديلة للبقاء، إذ جرى طحن المعكرونة لتصبح بديلًا للخبز، قبل أن تنفد بدورها، لتُستخدم العدسات بدلًا منها. مشهد مأساوي يُعيد للأذهان المجاعات التاريخية، لكن هذه المرة تحت أعين العالم، وأمام الكاميرات.

الأطفال ينامون وهم يتضوّرون جوعًا، والنساء يجلسن أمام الأفران الباردة بلا وقود، في انتظار مساعدات لا تأتي، وهدنة لا تقترب. الكبار ينهارون وهم يشاهدون أبناءهم يحتضرون بسبب سوء التغذية، والرضّع لا يجدون حليبًا، ولا حتى ماءً نظيفًا. كل شيء تحوّل إلى “ثمن للبقاء”، فيما يقف الاحتلال كحارس للموت على أبواب المعابر.

الأمل انتهى.. والهدنة لا تُعيد الموتى

رغم الضجيج العالمي والشائعات المتكررة عن قرب إعلان وقف إطلاق النار، فإن سكان غزة لا يرون في ذلك أملًا حقيقيًا. بالنسبة لمن خسر عائلته، أو دفن طفله بيديه، لا فرق بين القصف والهدنة، لأن الكارثة قد وقعت بالفعل.

البيوت لم تعد قائمة، والناس لم يعودوا كما كانوا، وجوههم تغيّرت من شدة القصف، أجسادهم ضعفت من سوء التغذية، ونفسياتهم تحطمت من كثرة الجنازات. لم يعد هناك من يسأل “متى تنتهي الحرب؟” بل صار السؤال: “هل سنعيش حتى الغد؟”.

النساء في غزة لا يعدن أطفالهن إلى النوم بالحكايات، بل بالصمت، وتحت الخوف من صوت القصف. الأطفال لا يلعبون، بل يراقبون السماء، وينتظرون القذائف. الآباء لا يذهبون للعمل، بل يمضون اليوم يبحثون عن لقمة، أو عن دواء، أو عن قبر لحبيب.

الحياة نفسها أصبحت مشوهة، محطمة، بلا ملامح. ولم يعد هناك منطق يُقنع أحدًا بأن ما يجري هو مجرد حرب أو رد عسكري. بل هو مسح كامل للحياة من الوجود، بكل تفاصيلها.

يوم القيامة ليس في المستقبل.. إنه الآن في غزة

“هذا يشبه يوم القيامة”؛ هكذا وصف كثير من سكان قطاع غزة ما يعيشونه كل يوم. لكن ما يحدث هناك قد يكون أشد. فبينما يتخيّل الناس القيامة في أدبياتهم الدينية كحدث هائل، فإن ما يجري في غزة هو تكرار يومي لذلك الحدث، على مرأى من العالم.

في بيت لاهيا، وفي خانيونس، ورفح، ومدينة غزة، لا شيء آمن، لا البشر، ولا الحجر، ولا حتى الأشجار. لا طعام، لا دواء، لا ماء، لا مدارس، ولا مستشفيات تعمل. حتى القبور أصبحت ممتلئة، وأصبح الموتى يُدفنون في الحدائق، في ظل نقص الأراضي والمقابر.

إن صمت العالم هو الجريمة الكبرى، والحياد هو خيانة. وإن ما يحدث في غزة ليس مجرد انتهاك، بل جريمة إبادة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

والذين ينجون منها لا يمكن أن يُسمّوا “أحياء”، لأنهم في الحقيقة مجرد ناجين من يوم القيامة، الذي لم يعد في المستقبل، بل هو واقع يومي في غزة.

ولأن المأساة تتكرر كل دقيقة، فإن الذاكرة لم تعد تسجل الأسماء، بل الأعداد، ولم يعد الناس يبكون على كل شهيد، بل يتنهدون ويواصلون النزوح، في انتظار المجهول، أو القذيفة التالية. أما الإنسانية، فقد دفنت مع أول شهيد، ولا تزال تُقصف كل يوم مع كل منزل يُدمَّر.

في غزة، لم يبقَ من العالم شيء.. سوى الحطام، والرماد، والألم.

اقرأ أيضًا : لماذا يهدم الاحتلال المباني في غزة؟ استراتيجية تدمير ممنهجة لتغيير الواقع الديموغرافي