في شهادة سياسية وأخلاقية شديدة القسوة، كشف كاتب وباحث إيطالي عن واحدة من أكثر المفارقات دموية في السياسة الأوروبية المعاصرة: الاتحاد الأوروبي، الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية، موّل على مدى سنوات ميليشيا تُتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب في السودان، فقط من أجل وقف تدفّق المهاجرين نحو شواطئه.

المقال، الذي نشره موقع “لو ديبلومات” الفرنسي، للكاتب الإيطالي جوزيبي غاليانو، يسلّط الضوء على دور أوروبي مباشر وغير مباشر في بناء آلة القمع التي تمثلها ميليشيا الدعم السريع، عبر ضخ أكثر من 400 مليون يورو (نحو 432 مليون دولار) بين عامي 2014 و2021، تحت لافتة “إدارة الهجرة غير النظامية”.

تمويل أوروبي لميليشيا دموية

بحسب غاليانو، لم تكن هذه الأموال مجرد مساعدات تقنية أو برامج تدريبية بريئة، بل أسهمت فعليًا في تعزيز قدرات ميليشيا الدعم السريع، التي وُلدت من رحم ميليشيات الجنجويد سيئة الصيت في دارفور.

فقد تلقت هذه الميليشيا، وفق المقال، سيارات دفع رباعي من نوع تويوتا (بيك آب)، وزيًا عسكريًا، وأجهزة اتصال لاسلكية، إضافة إلى تدريبات أمنية تحت مسمى “مكافحة الهجرة”، بل وحتى أنظمة بيومترية لتحديد هوية المهاجرين.

هذه الأدوات، التي يفترض أنها خُصصت لضبط الحدود، تحولت عمليًا إلى وسائل قمع داخلي، استُخدمت في ملاحقة المدنيين، وقمع القرى، وتنفيذ عمليات قتل واغتصاب ممنهجة، خصوصًا في إقليم دارفور، حيث تمتد جرائم هذه الميليشيا منذ عامي 2003 و2004 وحتى اليوم.

حصيلة دامية: قتلى ولاجئون ومجاعة

يربط الكاتب بين هذا الدعم الأوروبي وبين الكارثة الإنسانية الحالية في السودان. فبحسب تقديراته، أسهم تمكين ميليشيا الدعم السريع في مقتل أكثر من 25 ألف شخص، وتشريد ملايين السودانيين داخليًا وخارجيًا، فضلًا عن تفجّر مجاعة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ منذ مجاعة إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي.

المفارقة الصادمة، كما يوضح غاليانو، أن أوروبا تموّل – باسم منع الهجرة – القوى ذاتها التي تدفع السودانيين قسرًا إلى النزوح واللجوء، عبر تدمير القرى، وقطع سبل العيش، ونشر الرعب والعنف.

تحذيرات مبكرة… تجاهل متعمّد

لم يكن هذا المسار خافيًا على أحد. ففي عام 2017، نشرت منظمة ENF الأميركية تقريرًا بعنوان “ضبط الحدود من الجحيم”، جاء فيه بوضوح أن ميليشيا الدعم السريع “من بين أكثر الجماعات وحشية على وجه الأرض”، وأن تزويدها بالأموال والمعدات الأوروبية “ضرب من الجنون”.

التحذير نفسه تكرر في تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وعشرات المنظمات الحقوقية غير الحكومية، التي نبّهت إلى أن أوروبا تخلق شريكًا إجراميًا مقابل وهم السيطرة على الهجرة.

لكن، وكما يوضح الكاتب، لم يتجاوز ردّ فعل الاتحاد الأوروبي تعليق بعض المشاريع لبضعة أشهر، قبل استئنافها لاحقًا وكأن شيئًا لم يكن.

تبريرات شكلية وإفلات من المحاسبة

الدفاع الأوروبي الرسمي، بحسب المقال، اعتمد على صيغة مراوغة: الادعاء بأن ميليشيا الدعم السريع لا تتلقى الأموال “بشكل مباشر”، بل عبر برامج أو وسطاء.

ويصف غاليانو هذا التبرير بأنه غطاء شكلي لا يغيّر من الحقيقة شيئًا، فالأموال والمعدات والتدريب وصلت، والنتائج كانت واضحة على الأرض.

الأخطر، في رأيه، هو الإفلات التام من المسؤولية: لا محاسبة داخل الاتحاد الأوروبي، ولا مراجعة حقيقية للسياسات، بينما يُترك السودانيون وحدهم لدفع الثمن دمًا وجوعًا وتشريدًا.

دور الإمارات: الوسيط الخفي

يشير المقال، في سياقه الأوسع، إلى أن هذا الدعم لم يكن معزولًا عن شبكة إقليمية لعبت فيها دولة الإمارات دورًا محوريًا.

فبحسب العديد من التقارير الدولية، عملت أبوظبي كـوسيط لوجستي وسياسي ساعد في إيصال الدعم، سواء عبر التنسيق الأمني، أو توفير قنوات تدريب وتسليح، أو تسهيل الحركة الإقليمية للميليشيا.

وبذلك، تلاقت الأجندة الأوروبية الهوسية بوقف الهجرة مع الأجندة الإماراتية الساعية لبناء وكلاء مسلحين يخدمون مصالحها في السودان والمنطقة، وكانت النتيجة دولة مدمّرة وشعبًا يُسحق بين الميليشيات والمجاعات.

خلاصة: جريمة بربطة عنق دبلوماسية

يخلص الكاتب الإيطالي إلى حقيقة قاسية:

أوروبا، باسم إدارة الهجرة، موّلت الميليشيا التي صنعت الهجرة.

لم يكن ذلك خطأً عابرًا، بل سياسة ممنهجة، اختارت فيها بروكسل الأمن الوهمي على حساب القيم التي تدّعي الدفاع عنها.

وفيما لا يُحاسَب أحد في الاتحاد الأوروبي، تستمر المأساة السودانية، كدليل حي على أن الجرائم الكبرى لا تُرتكب فقط بالبندقية، بل أحيانًا بشيكات أنيقة وتوقيعات بيروقراطية باردة.

اقرأ أيضا : مؤامرة الإمارات ضد السودان: مدن في الظلام بعد هجوم ميليشيا الدعم السريع على محطة كهرباء