في فصل جديد من فصول الخروقات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، قُتل عشرات الفلسطينيين بينهم نساء وأطفال، اليوم السبت، جراء غارات إسرائيلية استهدفت مركبة مدنية وعدداً من المنازل المأهولة في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في تصعيد يؤكد أن الاحتلال ماضٍ في سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض، بينما يلوذ الوسطاء بالصمت رغم حجم الانتهاكات.
وبحسب الدفاع المدني في قطاع غزة، فقد استشهد 21 فلسطينياً في سلسلة قصف جوي ومدفعي شنّتها قوات الاحتلال على عدة مناطق، من مدينة غزة شمالاً وحتى النصيرات ودير البلح وسطاً. وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، أن الغارات التي نُفّذت بطائرات مسيّرة ومقاتلات حربية، استهدفت منازل سكنية ومركبة مدنية، مخلفة دماراً واسعاً وإصابات حرجة بين المدنيين.

سلسلة استهدافات متزامنة: من غزة إلى النصيرات
بدأ التصعيد عندما قصفت طائرة مسيّرة إسرائيلية مركبة مدنية قرب مفترق العباس غربي مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد خمسة فلسطينيين وإصابة آخرين، وفق بصل، الذي أكد أن الضربة جاءت دون أي مبرر أو إنذار مسبق، رغم أن المنطقة مكتظة بالسكان.
وفي حي اللبابيدي بالمدينة ذاتها، استهدفت غارة إسرائيلية منزل عائلة الخضري، لتخلف أربعة شهداء آخرين، في مشهد بات يتكرر يومياً رغم دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ منذ أكثر من شهر.
أما في دير البلح وسط القطاع، فقد أدى القصف الذي طال منزلاً لعائلة عابد إلى استشهاد فلسطينيين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، فيما شهد مخيم النصيرات استهداف منزلين لعائلتي أبو أمونة وأبو شاويش، أسفرا عن استشهاد عشرة فلسطينيين دفعة واحدة، بينهم أطفال ونساء.
رواية الاحتلال: تبريرات جاهزة
وفي محاولة لتبرير التصعيد، ادعى المتحدث باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، أن “مسلحاً” اجتاز ما يسمى “الخط الأصفر” بسيارة جيب على طريق مخصص للاستخدام الإنساني، وأطلق النار على الجيش، قبل أن يُقتل خلال ثوانٍ. غير أن دفاع غزة يؤكد أن الاستهدافات جميعها طالت منازل مدنية وسيارة خاصة، ولا صلة لها بادعاءات الاحتلال التي تُستخدم عادةً لتبرير عمليات القتل الممنهج.
خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار
تأتي هذه الغارات في ظل تصعيد ملحوظ خلال الأسابيع الماضية، إذ أصابت قوات الاحتلال السبت ثلاثة فلسطينيين بالرصاص شرق مخيم البريج وشرق جباليا، كما قصفت مناطق شرق دير البلح ورفح وخان يونس، إضافة إلى أجزاء من حيي التفاح والشجاعية شرقي غزة.
وبحسب منظمات حقوقية محلية، فقد ارتكبت إسرائيل عشرات الخروقات للاتفاق منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، بينها إطلاق نار مباشر، توغلات ميدانية محدودة، وعمليات نسف لمبانٍ وبنى تحتية، ما أدى إلى وقوع مئات الشهداء والجرحى.
حماس: الاحتلال يسعى لفرض أمر واقع جديد
من جانبها، اعتبرت حركة حماس توسيع الاحتلال مناطق سيطرته داخل غزة “خرقاً فاضحاً” للاتفاق، وطالبت الوسطاء—خصوصاً الولايات المتحدة ومصر وقطر—بالتصدي لخروقات إسرائيل.
وقالت الحركة في بيان، إن الجيش الإسرائيلي تقدّم خلال الأيام الماضية داخل مناطق انسحب منها بموجب الاتفاق، ما تسبب بنزوح مئات العائلات نحو مناطق تفتقر لأدنى مقومات الحياة. وأكدت أن هذه التحركات “تخالف الخرائط الموقّعة”، وتكشف أن حكومة تل أبيب “تسعى لتمزيق الاتفاق من الداخل”.
وكان الدفاع المدني قد أعلن أمس أن الاحتلال تقدّم 250 متراً شرق مدينة غزة، في خطوة أثارت مخاوف من نية إسرائيل العودة إلى سياسة السيطرة الميدانية التدريجية، التي سبقت وقف إطلاق النار.
الوسطاء.. غياب يثير الأسئلة
ورغم الاتهامات المتكررة للاحتلال بارتكاب خروقات واسعة، لم يصدر حتى الآن أي موقف حازم من الوسطاء الدوليين. وتقول مصادر سياسية إن إدارة ترامب—التي رعت الاتفاق عبر خطتها لوقف الحرب—تكتفي بإطلاق “دعوات عامة للتهدئة”، بينما يغيب الضغط الفعلي على إسرائيل لوقف استهداف المدنيين.
أما مصر وقطر، اللتان لعبتا أدواراً محورية في المفاوضات، فتواجهان انتقادات لغياب مواقف علنية تدين الخروقات الأخيرة، خصوصاً مع تزايد عدد الضحايا المدنيين في القطاع.
اتفاق هشّ وحصيلة كارثية
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، منهيًا حرباً وُصفت بأنها إحدى أكبر جرائم الإبادة في القرن الحالي. فقد قتلت إسرائيل منذ 8 أكتوبر 2023 أكثر من 69 ألف فلسطيني، وجرحت نحو 170 ألفاً، فيما دُمرت 90% من البنية التحتية المدنية، وفق مؤسسات أممية ومحلية.
غير أن الواقع الميداني يكشف أن الاحتلال لم يلتزم بروح الاتفاق ولا نصّه، إذ تتواصل الاستهدافات بشكل يومي تقريباً، وسط محاولات لتحريك “خطوط الانسحاب” وتوسيع مناطق السيطرة، في تجاهل واضح لتحذيرات الوسطاء.
خلاصة
تؤكد التطورات الأخيرة أن وقف إطلاق النار في غزة يقف على حافة الانهيار، في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لوقف العدوان، واستمرار الاحتلال في ارتكاب الجرائم بحق السكان المدنيين. وبين صمت الوسطاء وتوحّش الآلة العسكرية الإسرائيلية، يدفع الفلسطينيون—كالعادة—ثمن اتفاق لم يُحترم، وسلام لا يبدو أن أحداً يسعى فعلاً لحمايته.