تتجدد التوترات في القرن الإفريقي مع عودة إثيوبيا للحديث عن “حقها” في الوصول إلى منفذ بحري، في وقت سارعت فيه القاهرة إلى نفي تقارير تحدثت عن استعدادها لمنح أديس أبابا نفاذا إلى البحر الأحمر مقابل مرونة في ملف “سد النهضة”. وبين النفي المصري والإصرار الإثيوبي، تتكشف معادلة جيوسياسية معقدة تمس توازنات البحر الأحمر وأمن قناة السويس، وتضع النظام المصري أمام اختبار جديد في واحدة من أكثر الملفات حساسية منذ سنوات.

البحر الأحمر خط أحمر مصري سعودي

الموقف المصري جاء واضحا عبر وزير الخارجية بدر عبد العاطي، الذي شدد على رفض أي محاولة من أطراف غير مطلة على البحر الأحمر لفرض نفسها في ترتيبات حوكمته. هذا الموقف يتقاطع مع رؤية سعودية تعتبر أن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول الساحلية، وهو ما تجسد في تأسيس “مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” عام 2020.

من الناحية الجغرافية، يفصل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، لكن من الناحية الاستراتيجية يمثلان كتلة واحدة، إذ إن أي تهديد في خليج عدن ينعكس مباشرة على الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. ومن هنا فإن منح إثيوبيا منفذا عسكريا أو سياديا على أي من هذين المسطحين يعني إدخال لاعب غير ساحلي إلى معادلة الأمن البحري، وهو ما ترفضه القاهرة والرياض.

أديس أبابا ومحاولة الالتفاف عبر “أرض الصومال”

في 2024، وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي لاستئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترا لمدة 50 عاما، مقابل اعتراف محتمل بالإقليم كدولة مستقلة. الخطوة أثارت غضب الحكومة الصومالية ورفض جامعة الدول العربية، باعتبارها انتهاكا لسيادة الصومال.

لم يكن الهدف الإثيوبي مجرد ميناء تجاري، إذ تعتمد أديس أبابا بالفعل على موانئ جيبوتي لنحو 90% من تجارتها الخارجية، بل كان الطموح يتجاوز ذلك نحو موطئ قدم سيادي يمنحها حضورا عسكريا على البحر، ويحررها من “الارتهان” لجيرانها.

جيبوتي تعرض… وإثيوبيا تتردد

عقب أزمة مذكرة التفاهم، عرضت جيبوتي على إثيوبيا إدارة كاملة واستخداما حصريا لميناء تاجوراء، في محاولة لاحتواء التوتر الإقليمي. غير أن أديس أبابا لم تبد حماسة واضحة، لأن ما تريده ليس مجرد تسهيلات تجارية، بل منفذ يرسخ فكرة “الحق التاريخي” في الوصول إلى البحر.

رئيس الوزراء أبيي أحمد كرر خلال القمة الإفريقية الأخيرة تمسك بلاده بمنفذ بحري، مؤكدا أنه يسعى لحل سلمي عبر وساطات دولية، بينها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لكن هذا الطرح قوبل بانتقادات مصرية حادة، اعتبرت أن إثيوبيا تحاول تدويل ملف يخص ترتيبات إقليمية خالصة.

جذور الأزمة: من الاتحاد إلى القطيعة

تاريخيا، لم تكن إثيوبيا دولة حبيسة حتى عام 1993، حين استقلت إريتريا بعد حرب طويلة بدأت عام 1961. قبل ذلك، كانت الموانئ الإريترية مثل مصوع وعصب جزءا من الدولة الإثيوبية، خاصة في ظل الاتحاد الفيدرالي الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1950.

لكن ضم الإمبراطور هيلا سيلاسي لإريتريا عام 1962 كمحافظة إثيوبية أشعل حرب الاستقلال التي انتهت باستفتاء 1993، حيث صوت 99% لصالح الانفصال. أعقب ذلك نزاع حدودي دموي بين البلدين بين 1998 و2000، قبل توقيع اتفاقية الجزائر وإنشاء منطقة أمنية بإشراف أممي.

رغم مصالحة 2018 بين أبيي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، عادت التوترات بعد حرب تيغراي، وبدأت الاتهامات المتبادلة بشأن دعم جماعات مسلحة وزعزعة الاستقرار.

أي ميناء تريد إثيوبيا؟

ميناء مصوع، الواقع شمالي الساحل الإريتري، يعد من أقدم موانئ المنطقة، لكنه تضرر بفعل النزاعات وتراجع دوره الاقتصادي. أما ميناء عصب جنوبا، فيتمتع بأهمية استراتيجية لقربه من باب المندب، وكان يستخدم سابقا لتصدير النفط الإثيوبي قبل الانفصال.

إريتريا تتهم أديس أبابا بالتطلع إلى عصب تحديدا، لما يمنحه من موقع حيوي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وفي حال حصلت إثيوبيا على موطئ قدم هناك، فإن ذلك سيغير موازين القوى في القرن الإفريقي ويؤثر مباشرة على أمن الملاحة في البحر الأحمر.

أين تقف مصر؟ وهل النظام قادر؟

القاهرة تدرك أن أي اختراق إثيوبي للبحر الأحمر سيشكل ضغطا إضافيا في ملف سد النهضة، الذي استنزف سنوات من التفاوض دون اتفاق ملزم. كما أن دخول إثيوبيا إلى معادلة البحر الأحمر قد يخلق واقعا تفاوضيا جديدا يربط المياه بالأمن البحري.

غير أن التساؤل الذي يطرح نفسه هو مدى قدرة النظام المصري على إدارة هذا التشابك المعقد. فبين أزمة اقتصادية خانقة، وتراجع في الدور الإقليمي مقارنة بسنوات سابقة، تبدو القاهرة في موقف دفاعي أكثر منه هجومي. ورغم الخطاب الحازم، فإن أدوات الضغط الفعلية تبدو محدودة، خاصة في ظل تحولات إقليمية سريعة وتراجع تأثير مصر في بعض ملفات القرن الإفريقي.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط برغبة دولة حبيسة في منفذ بحري، بل بصراع على النفوذ وإعادة رسم خرائط التأثير في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وبين طموح إثيوبي تاريخي، ورفض عربي حاسم، يبقى البحر الأحمر ساحة مفتوحة على احتمالات تصعيد سياسي قد يتجاوز حدود القرن الإفريقي إلى معادلات الأمن الإقليمي برمته.

اقرأ أيضًا : تجدد المنخفضات الجوية يفاقم مأساة النازحين في غزة وسط تعنت الاحتلال