شهدت شاشة الجزيرة مباشر واحدة من أكثر المقابلات توتراً منذ اندلاع الحرب في السودان، بعدما تحولت استضافة الباشا طبيق، مستشار قائد ميليشيا الدعم السريع، إلى مشادة كلامية حادة مع مذيع برنامج “المسائية”، على خلفية تحقيقات استقصائية كشفت تورط شبكات دولية – بدعم إماراتي – في استقدام مرتزقة كولومبيين للقتال في صفوف الميليشيا.

المقابلة جاءت عقب نشر تحقيق مشترك أعدته وكالة الصحافة الفرنسية وتبنّته صحيفة الغارديان، تحدث عن مسار ممتد من أميركا الجنوبية مروراً بالخليج، وصولاً إلى إقليم دارفور، يهدف إلى تجنيد مقاتلين كولومبيين برواتب مرتفعة للقتال إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، في واحدة من أخطر صور “تدويل” الحرب السودانية.

نفي قاطع يثير الشكوك

بدأت المشادة عندما طرح المذيع سؤالاً مباشراً حول ما ورد في التحقيقات من أدلة وشهادات تتعلق بمشاركة مرتزقة كولومبيين، لا سيما في معارك الفاشر، وما ارتبط بها من اتهامات بارتكاب جرائم حرب. ردّ الباشا طبيق جاء حاداً وقاطعاً، نافياً “نفياً مطلقاً” أي علاقة لميليشيا الدعم السريع بكولومبيين، واصفاً التقارير بأنها “خيالية” و”تعيش في العالم الافتراضي”.

لكن هذا النفي لم ينجح في تهدئة الحوار، بل زاد من حدّته، خصوصاً مع إصرار المذيع على العودة إلى تفاصيل دقيقة أوردتها التحقيقات، تتعلق بمسارات التجنيد، والوسطاء، والرواتب، وشهادات مقاتلين سابقين أكدوا مشاركتهم في الحرب السودانية.

اتهامات مضادة وهروب من الإجابة

في محاولة لتحويل مسار النقاش، لجأ طبيق إلى اتهام الجيش السوداني بالاستعانة بمرتزقة أجانب، زاعماً وجود عشرات الآلاف من مقاتلي إقليم تيغراي يقاتلون إلى جانبه، إضافة إلى اتهامات باستخدام أسلحة محرمة. إلا أن المذيع قاطعه مراراً، مؤكداً أن المقابلة تتناول اتهامات محددة وموثقة ضد ميليشيا الدعم السريع، لا تبادل الاتهامات.

هذا الإصرار الإعلامي أعاد تسليط الضوء على جوهر القضية: لماذا تتكرر التقارير الدولية التي تربط بين الدعم السريع وشبكات مرتزقة عابرة للحدود، ولماذا يظهر اسم الإمارات في خلفية هذه الشبكات؟

صور وهويات وأسئلة بلا إجابة

زاد التوتر عندما عرض المذيع صوراً ومقاطع فيديو قال الجيش السوداني إنها تعود لهويات مقاتلين كولومبيين عُثر عليها في مناطق قتال. كما طرح تساؤلات تقنية حول تشغيل الطائرات المسيّرة والمنظومات المتقدمة التي تستخدمها الميليشيا، وهي مهام – بحسب خبراء عسكريين – تتطلب خبرات عالية يصعب اكتسابها في ظروف الحرب فقط.

ردّ طبيق جاء مراوغاً، مكتفياً بالقول إن لدى قواته “كوادر وطنية مؤهلة”، دون تقديم تفسير مقنع لكيفية تشغيل هذه التكنولوجيا المتطورة، في ظل غياب بنية دولة أو مؤسسات عسكرية نظامية، وهو ما أعاد طرح الشبهات حول دور خبراء أجانب وشركات أمنية خاصة.

الإمارات في قلب الاتهام

ورغم محاولات طبيق تجنب ذكر الإمارات، إلا أن التحقيقات الدولية – التي استند إليها المذيع – وضعت أبوظبي في قلب شبكة الدعم اللوجيستي والتمويلي للمرتزقة، سواء عبر وسطاء أو شركات أمنية، في إطار ما يصفه مراقبون بـ”إجرام منظم” يهدف إلى حسم الصراع عبر الميليشيات، بعيداً عن أي مسار سياسي.

هذا الدور، إن ثبت، لا يعني فقط انتهاك سيادة السودان، بل يضع الإمارات في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، خاصة مع الاتهامات المتعلقة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.

رواتب مرتفعة وصمت مريب

عندما واجه المذيع طبيق بالأرقام التي تحدثت عن رواتب تصل إلى 4 آلاف دولار للمرتزق الواحد، تهرّب الأخير من الإجابة المباشرة، مكتفياً بعبارات عامة عن “ظروف الحرب” و”الدفاع عن الأرض”، في صمت اعتبره متابعون دليلاً إضافياً على وجود ما يُخفى.

ما بعد المشادة

المشادة الحادة على الهواء لم تكن مجرد خلاف إعلامي، بل عكست عمق الأزمة السودانية، وحجم التورط الخارجي فيها، خاصة عبر ميليشيا الدعم السريع ورعاتها الإقليميين. كما أكدت أن الأسئلة المتعلقة بالمرتزقة، والتمويل، والدور الإماراتي، لن تختفي بالنفي، بل ستظل تطارد الميليشيا وداعميها، ما دامت الوقائع والشهادات تتراكم، وما دام الإعلام الحر يواصل طرح الأسئلة الصعبة.

اقرأ أيضًا : الضفة تحت نار الاحتلال.. اقتحامات وتهجير تكشف إجرام إسرائيل وخيانة عباس