أكدت حركة حماس أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل توسيع خروقاته المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في خطوة اعتبرتها مؤشرًا خطيرًا على نية مبيّتة لإفشال الاتفاق وفرض وقائع جديدة بالقوة. وجاء ذلك رغم دخول الاتفاق حيّز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد حرب إبادة استمرت عامين كاملين وخلّفت دمارًا غير مسبوق في القطاع.
وقال المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، إن الاحتلال لا يتعامل مع الاتفاق كالتزام سياسي وأخلاقي، بل كفرصة لإعادة التموضع العسكري واستكمال مشروعه القائم على القتل والتهجير، معتبرًا أن ما يجري على الأرض يؤكد أن “الهدنة” تحولت إلى غطاء لعدوان منخفض الوتيرة لا يقل خطورة عن الحرب المفتوحة.
![]()
تحريك “الخط الأصفر” وتهجير مقنّع
ومن أبرز الخروقات التي أشارت إليها حماس، قيام قوات الاحتلال بإزاحة ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. ويمثل هذا الخط حدًا فاصلاً بين مناطق انتشار جيش الاحتلال شرقًا—التي تتجاوز 50% من مساحة القطاع—وبين المناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتحرك فيها غربًا.
وترى الحركة أن تحريك هذا الخط يعني عمليًا تقليص المساحة المتاحة للمدنيين، وفرض واقع تهجيري جديد تحت ذريعة “الأمن”، ما يشكّل انتهاكًا مباشرًا لبنود الاتفاق، ويمهّد لموجة نزوح إضافية في منطقة تعاني أصلًا من اكتظاظ كارثي وانعدام شبه كامل لمقومات الحياة.
إبادة عمرانية واستهداف ممنهج للمنازل
إلى جانب التغييرات الميدانية، أكدت حماس أن الاحتلال صعّد بشكل كبير من عمليات نسف المنازل في النصف الشرقي من قطاع غزة، في استمرار لما وصفته بـ“الإبادة العمرانية”. ولا يقتصر هذا التدمير على أهداف عسكرية مزعومة، بل يشمل أحياءً سكنية كاملة، ما يحوّل المناطق المستهدفة إلى مساحات غير صالحة للسكن.
وترى الحركة أن هذا النمط من التدمير المتعمد يندرج ضمن سياسة تطهير عرقي مكتملة الأركان، تهدف إلى اقتلاع السكان من أرضهم، وتدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للقطاع، بما يمنع أي عودة طبيعية للحياة حتى في حال توقف القتال.
إغلاق معبر رفح وتجويع المدنيين
وفي خرق آخر للاتفاق، شددت حماس على أن الاحتلال لا يزال يُغلق معبر رفح ويقيّد دخول المساعدات الإنسانية، رغم النص الصريح في الاتفاق على تسهيل إدخال الغذاء والدواء والوقود. ويأتي هذا الإغلاق المتواصل منذ أيار/مايو 2024، عقب سيطرة الاحتلال على المعبر خلال عملية برية في رفح.
وبحسب الحركة، فإن استخدام المعابر كأداة ضغط سياسي يُحوّل الاحتياجات الإنسانية الأساسية إلى وسيلة ابتزاز، ويضاعف من معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون أوضاعًا إنسانية توصف بأنها الأسوأ عالميًا، في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
خروقات ممنهجة لإفشال الاتفاق
وأكدت حماس أن خروقات الاحتلال ليست عشوائية أو ناتجة عن “حوادث ميدانية”، بل تندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إفشال اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُقرّ ووقّعت عليه جميع الأطراف في اجتماع شرم الشيخ. وترى الحركة أن الاحتلال يسعى إلى إعادة تعريف الاتفاق بما يخدم مصالحه الأمنية، دون أي التزام فعلي بروحه أو بنصوصه.
ودعت الحركة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق إلى تحمّل مسؤولياتهم، والضغط الجاد على الاحتلال لوقف خروقاته وتنفيذ التزاماته، محذّرة من أن الصمت الدولي يشجّع إسرائيل على المضي قدمًا في سياساتها العدوانية دون خوف من المحاسبة.
حصيلة دامية رغم “وقف النار”
ومنذ سريان الاتفاق، ارتكب جيش الاحتلال مئات الخروقات، أسفرت عن استشهاد 420 فلسطينيًا وإصابة 1184 آخرين، في أرقام تعكس هشاشة الاتفاق وغياب أي آلية ردع حقيقية. وتعيد هذه الحصيلة الدامية طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى اتفاق لا يحمي المدنيين ولا يوقف آلة القتل.
وكان الاتفاق قد أنهى رسميًا حرب إبادة بدأها الاحتلال في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستمرت عامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية، فيما قدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
هدنة على حافة الانهيار
في المحصلة، ترى حماس أن استمرار إجرام الاحتلال وخروقاته المتصاعدة يضع اتفاق وقف إطلاق النار على حافة الانهيار، ويكشف أن المشكلة لا تكمن في نصوص الاتفاق، بل في غياب الإرادة الدولية لفرضه. وبينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن الدم والدمار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول الهدنة إلى مسار حقيقي لوقف العدوان، أم تبقى مجرد استراحة مؤقتة في حرب لم تتوقف فعليًا؟
اقرأ أيضًا : الإمارات تدمّر السودان بالوكالة: تحذيرات من كارثة وشيكة في الدلنج المحاصَرة