تشهد السودان واحدة من أخطر المحطات المفصلية في حربه الداخلية، بعدما أصبحت مدينة بابنوسة في غرب كردفان مهددة بالسقوط الكامل في يد قوات الدعم السريع. الحدث ليس عسكريًا فقط، بل سياسيًا وجغرافيًا وأمنيًا، ويعكس حجم التدخلات الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات التي بات دورها في تغذية الصراع علنيًا ومباشرًا، وفق شهادات وتحليلات محلية ودولية تتقاطع حول طبيعة الدعم الإماراتي للدعم السريع وهدفه في تفكيك الدولة السودانية وتمزيقها إلى كانتونات متناحرة.

بابنوسة.. مفتاح الغرب السوداني

تقع بابنوسة في منطقة شديدة الحساسية من غرب كردفان، وتعد بوابة استراتيجية بين دارفور والوسط، كما تمثل نقطة ربط لخطوط النقل والحركة التجارية، إضافة إلى قربها من مناطق النفط. السيطرة على المدينة تعني عمليًا امتلاك معبر حيوي يمكّن أي قوة من التوسع، ويضعف قدرة الجيش على الحفاظ على خطوطه الخلفية.

الأخطر أن بابنوسة تضم واحدة من أهم الوحدات العسكرية في المنطقة، وهي الفرقة 22 مشاة. وإذا تمكنت قوات الدعم السريع من فرض سيطرتها الكاملة عليها، فذلك يعادل ضربة معنوية وعملية كبيرة للجيش السوداني، وتغييرًا واضحًا في ميزان القوة.

لماذا تتجه الأنظار إلى الإمارات؟

منذ بداية الحرب، تزايد الحديث عن الدور الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والغطاء السياسي. الهدف لم يعد خافيًا: تأسيس قوة بديلة للجيش السوداني، قادرة على فرض واقع جديد يجعل السيطرة على المناطق المنتجة للذهب والنفط تحت نفوذ شبكات اقتصادية مرتبطة بأبوظبي.

سقوط بابنوسة، إن حدث، سيعتبر انتصارًا مباشرًا لهذا المشروع. ليس لأنها منطقة نفطية فقط، بل لأنها تشكل عقدة جغرافية تؤهل الدعم السريع لربط مناطق نفوذه في دارفور بكردفان، وصولًا إلى أطراف الوسط.

الإمارات هنا ليست «وسيطًا» كما تدّعي، بل لاعبًا يسعى لإعادة رسم خريطة السودان بما يخدم نفوذها الاقتصادي والعسكري. كل تقدم تحرزه قوات الدعم السريع هو مكسب للإمارات، وكل تراجع للجيش يفتح الطريق أمام نموذج جديد من الاستعمار الاقتصادي المسنود بالقوة.

كابوس إنساني جديد في الأفق

السودان يعيش أكبر موجة نزوح في تاريخه الحديث، وسقوط بابنوسة سيزيد الكارثة سوءًا. فالمدينة تضم عشرات الآلاف من المدنيين، بينهم نازحون فرّوا سابقًا من مناطق أخرى. دخول الدعم السريع معروف بارتباطه بأنماط ثابتة من الانتهاكات:

  • نهب منظم للممتلكات العامة والخاصة
  • اعتقالات تعسفية
  • تصفيات على الهوية
  • تدمير البنية التحتية بهدف إخضاع المناطق

هذا السيناريو قد يتكرر في بابنوسة كما حدث في مدن أخرى، ما يعني موجة جديدة من التشريد، وربما كارثة إنسانية لا تقل عن مآسي دارفور والفاشر.

تداعيات عسكرية تهدد بخراب شامل

سقوط بابنوسة لن يبقى حدثًا محليًا، بل سيغير المشهد العسكري في الإقليم بأكمله:

1. فتح ممر إستراتيجي لإعادة الانتشار

سيمكّن الدعم السريع من التحرك بسهولة نحو أبو زبد، الأبيض، ومناطق أخرى في كردفان، مما يضغط على الجيش في مواقع حساسة.

2. تفكيك ما تبقى من منظومة الدفاع السودانية

فقدان مدينة بهذه القيمة يعمّق أزمة القيادة العسكرية، ويفتح الباب أمام انهيارات أخرى في ولايات مختلفة.

3. إعطاء شرعية ميدانية لمشروع التقسيم

فكرة «الإقليم المستقل» تحت سيطرة الدعم السريع تصبح أقرب إلى الواقع مع توسع نفوذه في مناطق غربية ووسطية.

ماذا لو سقطت بابنوسة فعلًا؟

إذا سقطت المدينة، سيجد السودان نفسه أمام واحدة من أخطر المراحل:

  1. تسارع انهيار الدولة المركزية لصالح مليشيا مدعومة خارجيًا.

  2. تعميق مسار التقسيم بين شرق وغرب وشمال وجنوب.

  3. تحويل السودان إلى ساحة نفوذ إقليمي مباشر تتقاسمها قوى بأجندات متصارعة.

  4. خسارة موارد اقتصادية مهمة ستضع البلاد على حافة الانهيار المالي الكامل.

  5. تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد يشبه سيناريوهات ليبيا واليمن.

المدينة ليست مجرد جغرافيا، بل عقدة تربط غرب السودان بوسطه. وإذا سقطت، فإن الباب يُفتح أمام فصل جديد من الحرب، قد لا يقف عند حدود السودان، بل يمتد إلى المنطقة كلها.

الخلاصة: بابنوسة اختبار للسودان… وكشف لمشروع أبوظبي

المعركة في بابنوسة ليست معركة عسكرية فقط، بل معركة وجود دولة.
وكل تقدم تسجله قوات الدعم السريع هو خطوة نحو تمكين مشروع خارجي يجعل السودان ساحة نفوذ لا دولة موحدة.

الإمارات، التي تُتهم بإشعال الحرب وتمويل آلة القتل، تقود اليوم أخطر تدخل في تاريخ السودان الحديث. سقوط بابنوسة — إذا حدث — سيكون هدية جديدة لمشروع أبوظبي، وكارثة جديدة على شعب أنهكته الحروب والمؤامرات.

السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن:
كم مدينة يجب أن تسقط حتى يدرك العالم أن السودان يُعاد رسمه بالنار، وأن من يشعلها لا يريد سلامًا بل نفوذًا؟

اقرأ أيضًا : إجرام الإمارات يفاقم حرب السودان.. والجيش يقصف قوات الحركة الشعبية في جنوب كردفان