أصدر القضاء التونسي، حكمًا جديدًا يقضي بسجن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ثلاث سنوات، مع غرامة مالية، في قضية أكّد محاموه أنهم فوجئوا بها ولم تُتح لهم معرفة تفاصيلها أو حتى الاطلاع على ملفها. الحكم الصادر عن الدائرة المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، استند –وفق ما تسرّب إعلاميًا– إلى تهم تتعلق بقبول تمويل غير مباشر من جهة أجنبية، في وقتٍ يقول فيه الدفاع إن أبسط ضمانات المواجهة والاطلاع على الأدلة كانت غائبة.

دفاع يطعن في شرعية المسار
في تصريحات خاصة، شدّد محامو الغنوشي على أن “الدفاع لا يعلم شيئًا عن القضية”، معتبرين أن الحكم يشكّل انتهاكًا صريحًا لحق الدفاع ومبدأ قرينة البراءة. وأعلنت هيئة الدفاع رفضها المطلق لما وصفته بـ“الحكم الجائر”، مؤكدة أن هذا المسار القضائي يفتقر إلى شروط المحاكمة العادلة، إذ يُحال الملف إلى الاستئناف قبل تمكين الدفاع من الاطلاع على الحيثيات، بما قد يستغرق أشهرًا، ما يجعل حق الطعن نفسه منقوصًا.
استهداف متواصل منذ 2022
لم يأتِ الحكم الأخير بمعزل عن سياق أوسع من الملاحقات. فبحسب بيان هيئة الدفاع، بلغ مجموع الأحكام الصادرة بحق الغنوشي منذ 2022 نحو 48 عامًا، في سلسلة قضايا متلاحقة يرى فيها محاموه “استهدافًا مركّزًا وممنهجًا”. ويؤكد الدفاع أن هذه القضايا، على اختلاف عناوينها، تشترك في نمط واحد: تسريع الإدانة، تقييد حقوق الدفاع، وتوظيف القضاء كأداة لإقصاء خصم سياسي بارز.
قيس سعيّد وتسييس القضاء
يربط معارضون هذا الحكم مباشرة بخيارات الرئيس قيس سعيّد منذ انفراده بالسلطة، معتبرين أن ما يجري هو “إجرام سياسي” يُمارس باسم القانون. فبعد حلّ المؤسسات المنتخبة وإعادة هندسة المشهد الدستوري، بات القضاء –وفق منتقدي المسار– جزءًا من منظومة ضبط سياسي، تُستَخدم فيها تهم فضفاضة لإسكات المعارضين وتصفية الحسابات. ويُنظر إلى الغنوشي، بوصفه رمزًا لحركة سياسية كبرى، كهدف مركزي في هذا المسار.
سجين منذ 2023 وملفات ثقيلة
الغنوشي، البالغ من العمر 84 عامًا، معتقل منذ نيسان/أبريل 2023 ويقبع حاليًا في سجن المرناقية. ويواجه أحكامًا قاسية أخرى، بينها 14 عامًا في ما عُرف بملف “التآمر 2”، وحكم بالسجن 22 عامًا في قضية شركة “إنستالينغو” مع منعه من السفر وتجميد أمواله. كما يُنتظر أن يمثل خلال العام الجاري في قضايا إضافية، من بينها ملف “المسامرة الرمضانية” الذي اعتُقل على خلفيته.
قراءة سياسية للحكم
يذهب مراقبون إلى أن توقيت الحكم ودلالاته يتجاوزان الجانب القضائي البحت. فإصدار حكم جديد بينما لا تزال قضايا سابقة قيد الطعن، ومع غياب الشفافية الإجرائية، يعكس –برأيهم– رغبة السلطة في تثبيت واقع الردع السياسي وإيصال رسالة إلى الداخل والخارج بأن زمن التعددية قد انتهى. ويُحذّر هؤلاء من أن تراكم الأحكام على هذا النحو ينسف ثقة التونسيين في استقلال القضاء، ويعمّق الاستقطاب المجتمعي.
رسالة من السجن: الثبات على المبدأ
قبل أيام، وجّه الغنوشي رسالة من داخل سجن المرناقية، بالتزامن مع مرور ألف يوم على اعتقاله، عبّر فيها عن اطمئنانه بعدالة قضيته. وقال إن “قضية الحرية لم تكن يومًا بهذا الوضوح”، معتبرًا أن محنته تحوّلت إلى معيار حقيقي لالتزام الفاعلين السياسيين بمبادئ الديمقراطية والمواطنة. الرسالة، التي لاقت تفاعلًا واسعًا، أعادت طرح السؤال الجوهري: هل تُدار العدالة اليوم في تونس بمعايير القانون، أم وفق حسابات السلطة؟
خاتمة مفتوحة على المجهول
الحكم الجديد بسجن الغنوشي ثلاث سنوات لا يُغلق ملفًا بقدر ما يفتح جبهة أسئلة حول مستقبل العدالة في تونس. وبين دفاع يتحدّث عن “قضية سياسية بامتياز”، وسلطة تمضي في مسارها دون اكتراث بالانتقادات، تبدو البلاد أمام اختبار حاسم: إما استعادة استقلال القضاء، أو تكريس نهج يُشرعن الإقصاء تحت لافتة القانون، ويُسجّل –في نظر معارضيه– فصلًا جديدًا من إجرام سياسي يقوده قيس سعيّد.
اقرأ أيضًا : بن زايد يحوّل الإمارات إلى ملجأ للصهاينة: أمن الدولة بيد الشاباك