لليوم الثالث على التوالي، يتواصل اختفاء الأكاديمي والكاتب الكويتي الدكتور جاسم الجزاع بعد استدعائه من قِبل جهاز أمن الدولة في الكويت، على خلفية مقال تحليلي ألمح فيه إلى تورّط الإمارات ومحمد بن زايد في إشعال الحرب السودانية وتمويل المليشيات التي تعبث بمصير البلاد.

هذا الغياب القسري يثير موجة من الغضب والقلق في الأوساط الأكاديمية والحقوقية الخليجية، إذ لم يصدر أي بيان رسمي يوضح أسباب احتجازه، في مشهد يُعيد إلى الأذهان نمط “الاختفاء الصامت” الذي تستخدمه الأنظمة المستبدة لإسكات الأصوات المعارضة.

“مقالٌ عرّى المستور.. فكان العقاب سريعًا”

في مقاله الأخير، كتب الجزاع نصًا لامس جوهر المأساة السودانية، ووجّه سهام نقده إلى الأنظمة التي تتعامل مع السودان كملعبٍ مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث قال إن “المدافع تُطلق في السودان، لكن العقول التي تحرّكها تقيم في عواصم أخرى تملك المال والإعلام والسلاح”، في إشارة واضحة إلى أبوظبي.

المقال الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، أثار استياءً داخل الأوساط المقربة من النظام الإماراتي، خصوصًا أنه أشار إلى أن “بعض الإدارات العربية ما زالت تفكر بمنطق الهيمنة القديمة، وترى في ضعف السودان فرصة لتوسيع نفوذها”، وهو توصيف دقيق لنهج محمد بن زايد القائم على إشعال الفوضى لتثبيت نفوذه في المنطقة.

فور نشر المقال، استُدعي الجزاع إلى مقر أمن الدولة، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره تمامًا، دون بيان رسمي أو تصريح من ذويه، ما أثار شكوكا حول احتمال تعرضه للاعتقال التعسفي أو النقل إلى جهة غير معلومة.

“إجرام محمد بن زايد.. من دارفور إلى الخليج”

ما كتبه الجزاع لم يكن سوى توصيفٍ لواقعٍ وثقته عشرات التقارير الدولية: الإمارات، بقيادة محمد بن زايد، تتلاعب بخيوط الحرب السودانية منذ اندلاعها بين الجيش وميليشيا الدعم السريع.

فمن خلال شبكة نقل جوية سرية بين الصومال وتشاد والسودان، تم تزويد قوات حميدتي بالسلاح والمرتزقة والوقود، بينما كانت أبوظبي تروّج في العلن لخطاب “السلام والمساعدات الإنسانية”.

لقد تحوّل السودان إلى ضحية نموذجية لسياسة بن زايد التي تقوم على تفكيك الدول العربية الضعيفة واستثمار فوضاها لخدمة أجندته.

وبينما تتساقط المدن السودانية الواحدة تلو الأخرى، وتغرق دارفور في الدماء، تواصل الإمارات إنكارها لأي دور عسكري، رغم تواتر الأدلة على تمويلها المباشر للدعم السريع وتورطها في نقل الذهب السوداني لتمويل عملياتها القذرة في إفريقيا.

ولم يكن مستغربًا أن تثير كلمات الجزاع هذا الغضب، لأنها كسرت حاجز الصمت داخل الخليج، وأشارت لأول مرة من داخل الكويت إلى أن المتورط في نزيف السودان ليس بعيدًا في الجغرافيا ولا مجهولًا في الهوية.

“قمعٌ عابر للحدود.. حين تمتد يد بن زايد إلى الكويت”

القضية لم تعد مجرد حادثة استدعاء، بل مؤشر خطير على تنامي نفوذ محمد بن زايد وأجهزته داخل دول الجوار الخليجي، في إطار تحالف أمني غير معلن يقوم على تبادل المعلومات والتنسيق في ملاحقة الكُتاب والمفكرين المنتقدين للسياسات الإماراتية.

فالإمارات سبق أن مارست ضغطًا مماثلًا في سلطنة عمان والبحرين والسعودية ضد ناشطين تحدثوا عن دورها في اليمن أو ليبيا، واليوم يتكرر المشهد في الكويت، الدولة التي كانت تُعرف بهامش حرية نسبي.

صمت السلطات الكويتية حتى اللحظة يُثير الريبة، خاصة في ظل غياب أي مسوغ قانوني لاستدعاء كاتبٍ لمجرد رأيٍ سياسي، ما يؤكد أن ما حدث ليس إجراءً أمنياً بل عملية قمعٍ سياسي بتنسيقٍ إقليمي.

إن استهداف الجزاع لا ينفصل عن محاولات الإمارات تصدير نموذجها القمعي إلى الخارج، وإسكات أي صوت يفضح مشاريعها التخريبية في السودان واليمن وليبيا.

“رسالة الجزاع الأخيرة.. وكلمة حق في وجه الاستبداد”

في ختام مقاله، كتب الجزاع بوضوح:

“السودان لا يحتاج إلى قيادة قوية، بل إلى ردعٍ حقيقي لبعض الإدارات العربية التي تمدّ أيديها لإذكاء النار وتغذية الفتنة… فعلى تلك الأيادي أن تكفّ عن العبث بمصير السودان”.

كانت هذه الجملة كافية لإشعال غضب العروش، لأنها تضع إصبعها على الجرح الذي تحاول الأنظمة الخليجية إخفاءه: أنها لم تعد تكتفي بالتدخل في شؤون الدول، بل باتت تُشعل الحروب وتتحكم بمساراتها.

ومن المفارقات أن من دعا إلى وقف العبث هو من أصبح ضحية له، إذ يُحتجز اليوم في مكانٍ مجهول بينما يتواصل صمت النخب الرسمية والإعلامية في بلده.

القصة هنا تتجاوز شخص الجزاع؛ إنها صرخة ضد التطبيع مع الاستبداد، وضد محاولة محمد بن زايد تحويل الخليج إلى منطقة خالية من المفكرين الأحرار، لا يُسمع فيها سوى صدى الدعاية الرسمية وطبول الحرب.

“السودان يحترق.. والكلمة تُختطف”

اختفاء الدكتور جاسم الجزاع يعبّر عن تحالفٍ عربي غير معلن ضد حرية التعبير، تحالفٍ يوظّف الأمن لتكميم الأفواه وتبييض جرائم السياسة الخارجية.

بينما يواصل بن زايد عبثه بدماء السودانيين، تمتد أذرعه لتطال من يجرؤ على كشف الحقيقة، حتى داخل دولٍ كانت تُعد أكثر انفتاحًا.

إنّ ما جرى للجزاع ليس حادثة فردية، بل رسالة ترهيبٍ لكل من يفضح إجرام أبوظبي في السودان.

لكن الرسالة الأخطر هي أن القلم ما زال قادرًا على أن يُقلق الطغاة، وأن كلمة حقٍ واحدة قد تُحدث في قصورهم ارتجاجًا أشد من دوي المدافع في الخرطوم.

اقرأ أيضًا : إجرام الإمارات في تنزانيا.. تهجير شعب الماساي لإرضاء نزوات الصيد الملكي