في تطور لافت يعكس تصاعد الوعي الشعبي والسياسي بالقضية الفلسطينية داخل بريطانيا، وقّع أكثر من ألف عضو في المجالس البلدية بيانًا يدعو إلى جعل فلسطين محورًا رئيسيًا في الانتخابات المحلية المقبلة، ويطالب بوقف أي تعاون مع الاحتلال الإسرائيلي. هذه الخطوة، التي جاءت في توقيت حساس سياسيًا، لا تحمل بعدًا رمزيًا فقط، بل تمثل تحديًا مباشرًا لسياسات الحكومة البريطانية المتماهية تقليديًا مع تل أبيب، وتكشف عن تصدع متنامٍ داخل المشهد السياسي المحلي تجاه ما بات يُنظر إليه باعتباره “احتلالًا منبوذًا” أخلاقيًا وقانونيًا.

مبادرة جماعية تكسر الصمت السياسي التقليدي
البيان الذي وقّعه 1028 عضوًا في المجالس المحلية، تحت عنوان “تعهد أعضاء المجالس المحلية من أجل فلسطين”، يمثل واحدة من أوسع المبادرات السياسية المحلية المؤيدة للقضية الفلسطينية في تاريخ بريطانيا الحديث. فقد جرى فتح باب التوقيع منذ ديسمبر الماضي، بدعم من عدد من المنصات والمنظمات الناشطة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
هذه المبادرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم سنوات من الغضب الشعبي تجاه الجرائم الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، وتجاه الدعم السياسي والعسكري الغربي المستمر للاحتلال. ومع تصاعد مشاهد القتل والتدمير، بات من الصعب على كثير من المسؤولين المحليين الاستمرار في سياسة “الصمت الحذر” أو التواطؤ غير المباشر.
الانتخابات المحلية ساحة مواجهة سياسية وأخلاقية
يسعى الموقعون على البيان إلى تحويل الانتخابات المحلية المقررة في السابع من مايو المقبل إلى ساحة مساءلة سياسية حول الموقف من فلسطين. وتشمل هذه الانتخابات اختيار أكثر من خمسة آلاف عضو مجالس وستة رؤساء بلديات في 136 منطقة، بينها جميع أحياء العاصمة لندن.
ويؤكد البيان ضرورة أن تكون حقوق الفلسطينيين جزءًا أساسيًا من برامج المرشحين وخطاباتهم، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة حول “السلام” و”حل الدولتين” دون مساءلة حقيقية للاحتلال. في هذا السياق، تتحول المجالس المحلية من مجرد هيئات خدمية إلى منصات سياسية تعكس نبض الشارع وتطلعاته الأخلاقية.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السياسة الخارجية لم تعد حكرًا على الحكومات المركزية، بل باتت تُناقش وتُصاغ أيضًا في المستويات المحلية، حيث يملك المواطنون قدرة أكبر على التأثير والمحاسبة.
دعوة صريحة لقطع الشراكات مع منظومة الاحتلال
أحد أبرز بنود البيان يتمثل في الدعوة إلى إنهاء أي تعاون بين الحكومات المحلية والجهات الإسرائيلية المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان، وكذلك وقف الشراكات مع الشركات التي تدعم منظومة الاحتلال أو تستفيد من سياساته.
هذه الدعوة تمثل خطوة عملية تتجاوز الخطاب التضامني التقليدي، وتدخل في إطار ما يمكن تسميته بـ”العقوبات المحلية الرمزية”، التي تهدف إلى عزل الاحتلال اقتصاديًا وأخلاقيًا. وهي تعكس توجهًا متزايدًا داخل المجتمعات الغربية لمحاسبة إسرائيل ليس فقط عبر البيانات، بل عبر السياسات والقرارات المؤسسية.
كما تعكس هذه الخطوة اقتناعًا متناميًا بأن الاحتلال لم يعد مجرد “نزاع سياسي”، بل نظام قمع وتمييز عنصري بات مكشوفًا أمام الرأي العام العالمي.
انقسام حزبي يكشف أزمة أخلاقية داخل السياسة البريطانية
توزيع الموقعين على البيان يكشف حجم التحول داخل الأحزاب البريطانية. فقد جاء العدد الأكبر من حزب الخضر، ثم حزب العمال الحاكم، ثم الديمقراطيين الليبراليين، بينما لم يوقع سوى ثلاثة أعضاء من حزب المحافظين.
هذا التفاوت يعكس أزمة أخلاقية داخل التيار المحافظ، الذي لا يزال متمسكًا بخطاب داعم للاحتلال، حتى في ظل تصاعد الانتقادات الدولية. في المقابل، يظهر داخل حزب العمال تيار متنامٍ يرفض استمرار السياسة التقليدية المنحازة لإسرائيل، رغم الضغوط الإعلامية واللوبيات المؤثرة.
ويكشف هذا المشهد عن صراع داخلي بين خطاب رسمي محافظ على “العلاقات الاستراتيجية” مع تل أبيب، وبين قاعدة سياسية وشعبية باتت ترى في الاحتلال عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا.
الاحتلال المنبوذ وسقوط السردية الغربية التقليدية
أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في عدد الموقعين عليه، بل في رمزيته السياسية. فهو يعكس انتقال الاحتلال الإسرائيلي من موقع “الحليف الديمقراطي” في الخطاب الغربي، إلى موقع “الكيان المنبوذ” المتهم بارتكاب جرائم ممنهجة.
لقد فشلت السردية الغربية التقليدية التي صورت إسرائيل كـ”ضحية دائمة” في الصمود أمام مشاهد الدمار في غزة، والحصار، والاستيطان، والقتل اليومي للفلسطينيين. ومع انتشار الإعلام البديل ومنصات التواصل، لم يعد من الممكن احتكار الرواية أو تزييف الحقائق.
في هذا السياق، يمثل تحرك المسؤولين المحليين البريطانيين جزءًا من موجة عالمية أوسع، تعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل على أساس القانون الدولي وحقوق الإنسان، لا على أساس المصالح السياسية الضيقة.
خاتمة: من التضامن الرمزي إلى الفعل السياسي المؤثر
يشكل بيان أكثر من ألف عضو بلدية بريطاني محطة مهمة في مسار التضامن مع فلسطين داخل أوروبا. فهو ينقل الدعم من مستوى الشعارات والمظاهرات إلى مستوى القرار السياسي والمؤسسي، ويضع الحكومة البريطانية أمام اختبار أخلاقي حقيقي.
كما يفتح الباب أمام نموذج جديد من العمل السياسي المحلي، الذي يربط القضايا الدولية بالقيم الإنسانية، ويرفض التواطؤ مع أنظمة الاحتلال مهما كانت الضغوط.
وفي ظل تصاعد هذا الوعي، يبدو أن صورة الاحتلال في الوعي الغربي تتآكل بسرعة، وأن زمن الحصانة السياسية يقترب من نهايته، لصالح مرحلة جديدة عنوانها: المحاسبة، والعزلة، وسقوط شرعية الظلم.
اقرأ أيضًا : مساعدات غزة… من طوق نجاة إلى عبء يومي