في وقتٍ بات فيه دعم القضية الفلسطينية وتأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يُصنّف باعتباره “محتوى خطرًا” أو “غير مناسب” في منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، بات لزامًا على المجتمعات العربية والإسلامية اتخاذ مواقف عملية، تتجاوز التعبير عن الغضب والاستنكار إلى فعلٍ حقيقي له أثر واضح.

منصات مثل “إكس” (تويتر سابقًا)، و”ميتا” (فيسبوك وإنستغرام)، أصبحت تلعب دورًا مباشرًا في تكميم الأصوات الفلسطينية وإقصاء المحتوى الذي يفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي، في مقابل فتح الأبواب واسعةً أمام نشر الدعاية الإسرائيلية الكاذبة. هذه المنصات، جميعها بلا استثناء، تخضع لضغوط سياسية ومالية، وتتبنى خوارزميات منحازة، تصف المقاومة الفلسطينية، بل وحتى صور الأطفال الفلسطينيين الشهداء، بأنها محتوى يخترق القواعد المجتمعية.

طالما أن العرب والمسلمين لا يريدون مقاطعة منصات التواصل الاجتماعي الكبرى مثل «إكس» و«ميتا» وغيرها بحجة ضرورة الاتصال اليومي أو العمل الإعلامي والسياسي، وطالما أنهم لا يفكرون جديًا في إنتاج منصات خاصة بهم تحترم هويتهم وتتبنى خوارزميات عادلة ومنصفة لقضاياهم، فإن أقل ما يمكنهم فعله هو مقاطعة منتجات أخرى يملكها رجال الأعمال الذين يديرون هذه المنصات ويستفيدون ماليًا منها، مثل مقاطعة سيارات «تسلا» التي يملكها إيلون ماسك.

لقد أصبح تحيّز ماسك ودعمه الكامل لإسرائيل واضحًا ولا يقبل الجدل، وهو الذي قام في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بزيارة رسمية لإسرائيل، حيث التقى بقيادات الحكومة الإسرائيلية، وأعلن صراحةً تأييده المطلق لما أسماه “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، داعيًا إلى إسكات المحتوى الفلسطيني واتهامه بالتحريض على العنف، في تجاهل متعمد للضحايا الأبرياء من الأطفال والنساء الذين تسقطهم آلة الحرب الإسرائيلية. هذا الدعم الفاضح من ماسك ليس مجرد رأي سياسي شخصي، بل هو سياسة تتبعها منصاته وخوارزمياتها، التي أصبحت تعتبر أي رمز فلسطيني، كالعلم الفلسطيني، أو حتى مجرد صورة لطفل فلسطيني ضحية، انتهاكًا لشروط الاستخدام.

المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتفاقم أكثر مع حقيقة أن المملكة العربية السعودية، التي تُعدّ من أكثر الأنظمة قمعًا لحرية التعبير في العالم، أصبحت تملك حصةً كبرى في منصة “إكس” منذ استحواذ ماسك عليها في أكتوبر 2022 مقابل 44 مليار دولار، حيث احتفظت شركة المملكة القابضة السعودية (المملوكة للأمير الوليد بن طلال) بحصتها البالغة نحو 1.89 مليار دولار، لتصبح ثاني أكبر مساهم في المنصة بعد ماسك نفسه. هذا الاستثمار الضخم ليس بريئًا، بل هو شراكة مباشرة مع نظام مستبد سبق أن تورّط في استغلال بيانات المستخدمين السعوديين، حيث تم تسليم معلومات سرية عن مغردين معارضين، أدّت إلى سجن العديد منهم بعد أن غرّدوا من حسابات مجهولة تنتقد النظام السعودي.

الأوروبيون مثلًا قرروا بالفعل أن يتخذوا إجراءات عملية ضد ماسك وشركته. لقد شهدت مبيعات سيارات “تسلا” تراجعًا حادًا في ألمانيا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى بنسبة تقارب 45% خلال عام واحد، احتجاجًا على مواقف ماسك السياسية المتطرفة، خاصةً تأييده المثير للجدل لروسيا في حرب أوكرانيا، واتهامه المباشر للأوروبيين بأنهم يسيرون نحو حرب عالمية ثالثة، فضلًا عن دعمه الواضح للأحزاب اليمينية المتطرفة في القارة. إذا كان الأوروبيون قد اتخذوا هذه الخطوات الفعلية دفاعًا عن مصالحهم وقيمهم، ألا ينبغي على العرب والمسلمين، الذين تمسهم قضية فلسطين بشكل مباشر وتُعدّ محورًا جوهريًا في وعيهم الجمعي، أن يتخذوا خطوات أكثر جرأة وقوة؟

السيارات الكهربائية من “تسلا” منتشرة بشكل متزايد في دول الخليج وبعض الدول الإسلامية، وتحقق الشركة مبيعات قياسية سنويًا في أسواق مثل الإمارات والسعودية وتركيا، ما يجعل هذه المنطقة سوقًا مهمة وحيوية لمنتجات تسلا. لهذا السبب تحديدًا، فإن مقاطعة تسلا تمثل ضغطًا اقتصاديًا واضحًا ومؤثرًا على ماسك وعلى سياساته. إن استمرار التعامل مع تسلا يعني عمليًا استمرار تمويل رجل لا يخفي انحيازه التام للاحتلال الإسرائيلي، ويشارك في إسكات أصوات الفلسطينيين على المنصات التي يتحكم بها.

حان الوقت إذًا لاتخاذ موقف واضح. إذا كان من الصعب مقاطعة “إكس” بسبب أهميتها الاتصالية، فليس هناك عذر لاستمرار دعم “تسلا”. فالموقف الحقيقي ليس مجرد تغريدة نكتبها، بل خطوة عملية نُثبت بها رفضنا لسياسات العنصرية والتطبيع والقمع الرقمي. مقاطعة “تسلا” اليوم ضرورة ملحة لكل من يرفض الاحتلال الإسرائيلي، ولكل من يرفض أن يكون مساهمًا في تمويل التطبيع مع الأنظمة المستبدة، ولكل من يؤمن بأن كرامة الشعوب وحقوقها يجب أن تسبق المصالح الاقتصادية والسياسية قصيرة النظر.