في واقعة جديدة تفضح تغوّل المستوطنين الإسرائيليين وتواطؤ سلطات الاحتلال، تعرض نائبان في البرلمان البريطاني لاعتداء مباشر من قبل مستوطنين مسلحين، خلال زيارتهما لقرية مسافر يطا جنوب الضفة الغربية.
هذه الحادثة، التي نقلها موقع ميدل إيست آي، تسلط الضوء على واقع العنف الممنهج في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي لم يعد مقتصرًا على الفلسطينيين فحسب، بل طال حتى ممثلي برلمانات غربية يزورون المنطقة لمعاينة الوضع الإنساني.
وتأتي هذه الحادثة في سياق اعتداءات متزايدة يشنها المستوطنون، بدعم وحماية من جيش الاحتلال، ضمن سياسة تهدف إلى ترسيخ واقع استيطاني بالقوة، وسلب الأراضي الفلسطينية تحت مظلة قانونية إسرائيلية باطلة، وفي تحدٍّ صارخ للقانون الدولي.

ترهيب على الأرض واستفزاز في الأقصى
النواب البريطانيون شوكت آدم (مستقل – ليستر الجنوبية) وأندرو جورج (الحزب الليبرالي الديمقراطي – سانت آيفز)، وصلا الأراضي المحتلة في 13 أبريل/نيسان 2025، في جولة استمرت ستة أيام شملت القدس الشرقية وبيت لحم والخليل، وكلها مناطق معترف بها دوليًا كأراضٍ فلسطينية محتلة منذ 1967.
منذ لحظة وصولهم، تعرض الوفد البريطاني لمضايقات، حيث تم احتجاز النائب جورج في مطار بن غوريون لأكثر من 45 دقيقة، خضع خلالها لاستجواب بسبب مواقفه المنتقدة للعدوان على غزة. ولم يُسمح له بالدخول إلا بعد تدخل السفارة البريطانية.
وبعد أيام فقط، وخلال زيارتهم إلى مسافر يطا، هاجم مستوطنون مسلحون النائبين ووفدهم، في مشهد يعكس بوضوح غياب أي رادع أو محاسبة للمستوطنين.
وفي مشهد آخر من مشاهد الاستفزاز والانتهاك، شهد الوفد اقتحام مئات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك تحت حماية القوات الإسرائيلية، وهي اقتحامات تتم بشكل منتظم لتكريس التقسيم الزماني والمكاني، وتُعد من أبرز أسباب التوتر في المنطقة.
عنف المستوطنين.. سياسة ممنهجة لا حوادث فردية
الاعتداء على برلمانيين أوروبيين في منطقة محتلة لا يمكن فصله عن المسار العام لسياسات إسرائيل تجاه الضفة الغربية.
فما يتعرض له الفلسطينيون يوميًا من هجمات المستوطنين، وسرقة الأراضي، وإحراق المحاصيل، بات أمرًا روتينيًا تُديره عصابات منظمة مسلحة، تتلقى دعمًا سياسيًا وأمنيًا مباشرًا من حكومة الاحتلال، خاصة في عهد حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل.
مستوطنة “حافات ماعون” و”سوسيا” وغيرها في منطقة يطا، تُعتبر بؤرًا نشطة لعصابات المستوطنين الذين يعملون على طرد السكان الفلسطينيين الأصليين تحت ذريعة “أراضي دولة”، بينما هم في الحقيقة يمارسون تطهيرًا عرقيًا تدريجيًا بمباركة تل أبيب.
وتكرار مثل هذه الاعتداءات ضد الفلسطينيين -والآن ضد وفود أجنبية- يؤكد أنها ليست تجاوزات فردية، بل سياسة قائمة على الإرهاب المجتمعي، لفرض واقع استيطاني كامل يُنهي أي فرصة لقيام دولة فلسطينية.
الأخطر، أن الاحتلال لا يكتفي بالسماح بهذه الاعتداءات، بل يُحاول التغطية عليها أو تبريرها، كما حدث عندما منع النائبين العماليين ابتسام محمد ويوان يانغ من دخول الأراضي الفلسطينية، بتهمة نشر “خطاب كراهية”، في حين لم يُمنع أي مستوطن من اقتحام الأقصى أو الاعتداء على الأهالي أو سرقة أراضيهم.
فلسطين تكشف الزيف الأخلاقي للديمقراطيات الغربية
زيارة الوفد البريطاني وما رافقها من اعتداءات ومضايقات تكشف حجم النفاق الذي تتعامل به بعض الأنظمة الغربية مع القضية الفلسطينية.
فعلى الرغم من تقارير الأمم المتحدة المتكررة عن جرائم الاستيطان والانتهاكات في الضفة الغربية، لا تزال إسرائيل تحظى بحصانة سياسية وإعلامية ودبلوماسية، تجعلها بمنأى عن المساءلة.
لكن الاعتداء على برلمانيين أوروبيين قد يُشكل لحظة فارقة، إذ يضع العالم أمام حقيقة لا يمكن التهرب منها: المستوطنون في الضفة الغربية ليسوا مجرد سكان عاديين، بل هم مليشيات إرهابية تمارس القتل والنهب بدعم من حكومة احتلال.
وربما تكون هذه الحادثة دافعًا لصحوة ضمير داخل البرلمانات الأوروبية، خاصة البريطانية، التي لا تزال كثير من أطيافها السياسية تغض الطرف عن المأساة الفلسطينية، وتُبرر الجرائم بحجة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”.
أما على الأرض، فإن الشعب الفلسطيني، رغم الحصار والخذلان، لا يزال صامدًا، بينما يسقط القناع عن وجه الاحتلال والمستوطنين يوما بعد يوم.
اقرأ أيضًا : “صلاة في قلب العدوان”.. السفير الأمريكي الجديد يبدأ مهامه من حائط البراق برسالة ولاء لنتنياهو وغطاء لجرائم الاحتلال