تكشف وثائق إسرائيلية داخلية مسرّبة عن عمق التعاون العسكري والاستخباري بين الاحتلال الإسرائيلي والإمارات، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود الثقة التي تضعها تل أبيب في أبوظبي، إذ وافقت على تزويدها بمنظومات مراقبة وتجسس متطورة، مع الحرص على حجب القدرات الهجومية التي قد تغيّر قواعد اللعبة أو تقلّص التفوق العسكري الإسرائيلي.

وبحسب ما ورد في تحقيق استخباري نشرته صحيفة «هآرتس»، استند إلى وثائق داخلية مسرّبة، ناقشت وزارة الدفاع الإسرائيلية وشركات السلاح تصدير طائرات مسيّرة ومنظومات عسكرية متقدمة إلى الإمارات، ضمن مسار متسارع أعقب إعلان التطبيع الرسمي بين الجانبين.

وتشير إحدى الوثائق، المؤرخة عام 2021، إلى اجتماع بين المدير العام لشركة «إلبيت سيستمز» ورئيس الدائرة السياسية–الأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، جرى خلاله بحث تصدير أنظمة عسكرية إلى عدد من الدول، بينها الإمارات.

«هيرمس 900» للإمارات.. لكن بلا أسلحة

تظهر الوثيقة أن وزارة الدفاع الإسرائيلية وافقت على عرض أو بيع طائرة «هيرمس 900» إلى الإمارات لأغراض جمع المعلومات الاستخبارية، لكنها وضعت قيدًا واضحًا يقضي بأن تكون النسخة المسموح بتصديرها من دون قدرات هجومية.

وتعني هذه الصيغة أن الإمارات يمكنها الحصول على منصة متقدمة للمراقبة والاستطلاع وجمع البيانات، لكنها لا تحصل على النسخة المسلحة القادرة على حمل الذخائر وتنفيذ الضربات.

ولا يبدو القيد تفصيلًا فنيًا محدودًا، بل يعكس مبدأً ثابتًا في سياسة تصدير السلاح الإسرائيلية: توسيع المبيعات والعلاقات الأمنية مع الدول المطبّعة، من دون المساس بما تسميه تل أبيب «التفوق العسكري النوعي» للاحتلال في المنطقة.

فالإمارات، رغم سنوات التطبيع والتنسيق والصفقات، لا تزال في نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية شريكًا يجب التحكم في نوعية ما يُمنح له، لا حليفًا متساويًا يحصل على كامل القدرات.

ما الذي أرادته أبوظبي؟

تُظهر وثيقة أخرى تحمل عنوان «قائمة الرغبات للاستخبارات الإشارية المحمولة جوًا» أن القوات المسلحة الإماراتية طلبت الحصول على طائرتين مأهولتين وطائرتين غير مأهولتين مجهزتين بقدرات واسعة لجمع وتحليل الاتصالات والإشارات.

وتضمنت قائمة المطالب الإماراتية:

  • أنظمة استخبارات الاتصالات COMINT.
  • أنظمة الاستخبارات الإلكترونية ELINT.
  • أنظمة استخبارات القياس والإشارات MASINT.
  • قدرات للهجوم الإلكتروني تشمل الحرب السيبرانية والليزر والنبضات الكهرومغناطيسية.
  • أنظمة مراقبة وتشغيل سيبراني.
  • دمج البيانات عبر الذكاء الاصطناعي.
  • نقل الإنذارات والمعلومات سريعًا إلى طائرات الإنذار المبكر والمقاتلات ومراكز القيادة.

وتكشف هذه المطالب أن أبوظبي لم تكن تبحث عن طائرات مراقبة تقليدية فقط، بل عن منظومة استخبارات جوية متكاملة قادرة على اعتراض الاتصالات، وتحليل الإشارات، وربط المعلومات القادمة من مصادر متعددة، وتوجيه بقية المنصات العسكرية.

كما طلبت الإمارات أن يبدأ تسليم الأنظمة والطائرات والمعدات المرتبطة بها خلال 42 شهرًا من توقيع العقد، ما يعكس رغبتها في بناء قدرة عملياتية متقدمة خلال فترة زمنية محددة.

علاقة طويلة الأجل لا صفقة عابرة

لا تقتصر أهمية تصدير طائرة مثل «هيرمس 900» على جسم الطائرة أو أجهزة الاستشعار المثبتة عليها، إذ يخلق هذا النوع من الصفقات علاقة اعتماد طويلة الأمد بين الدولة المشترية والشركة الإسرائيلية الموردة.

فالتشغيل المستمر يحتاج إلى:

  • تدريب الطواقم والمشغلين.
  • الصيانة وقطع الغيار.
  • تحديث البرمجيات.
  • معالجة البيانات وتحليلها.
  • تطوير الحمولة وأجهزة الاستشعار.
  • دمج المنصة مع منظومات القيادة والدفاع الجوي.

وبذلك تصبح قيمة الصفقة الحقيقية في استمرار الارتباط التقني والأمني لسنوات، وليس في عدد الطائرات المباعة فقط.

كما يمكن أن يفتح تشغيل هذه المنظومات الباب أمام مواءمة البيانات وصور الموقف الجوي بين الإمارات والاحتلال، خاصة إذا جرى ربط الطائرات بالرادارات ومنظومات الاعتراض وقواعد بيانات التهديدات والأهداف.

الاحتلال يبيع المعلومات.. ويحتفظ بالقوة

تكشف الوثائق معادلة إسرائيلية واضحة: منح الإمارات القدرات التي تعزز المراقبة وجمع المعلومات، مع الاحتفاظ بالقدرات الهجومية الأكثر حساسية.

فالاستخبارات الإسرائيلية تستفيد من توسيع شبكة الرصد حول الخليج وإيران والممرات البحرية، بينما تستفيد شركات السلاح من عقود ضخمة، لكن تل أبيب تضمن في الوقت نفسه ألا تتحول الإمارات إلى قوة عسكرية مستقلة عنها أو قادرة على امتلاك النسخة الكاملة من التكنولوجيا.

بهذا المعنى، لا تقدم إسرائيل للإمارات «شراكة متكافئة»، بل علاقة موزونة لمصلحة الاحتلال:

أبوظبي تدفع، وتشتري، وتشارك في بناء شبكة المراقبة الإقليمية، بينما تحدد إسرائيل حدود ما يمكن أن يصل إليها من قدرات.

التطبيع لم يلغِ الشك الإسرائيلي

تُظهر القيود على القدرات الهجومية أن التطبيع السياسي والتعاون الاستخباري لم يؤديا إلى إزالة الحذر الإسرائيلي من تسليح الإمارات.

فحتى مع الزيارات الرسمية، والمعارض العسكرية المشتركة، وتوسع حضور الشركات الإسرائيلية في أبوظبي، ظلت وزارة الدفاع الإسرائيلية تفرض رقابة دقيقة على نوعية التكنولوجيا المسموح بتصديرها.

ويكشف ذلك أن الخطاب الإماراتي الذي يقدم التطبيع باعتباره بوابة إلى شراكة استراتيجية كاملة يصطدم بواقع مختلف: الاحتلال يقبل الإمارات سوقًا للسلاح وشريكًا في جمع المعلومات، لكنه لا يقبلها قوة تملك القدرات نفسها أو تنافسه في التفوق العسكري.

الإمارات تتحول إلى عين إسرائيل في الخليج

لا يمكن فصل المنظومات المطلوبة عن موقع الإمارات الجغرافي وقربها من إيران ومضيق هرمز وبحر عُمان.

فالطائرات المزودة بأنظمة اعتراض الاتصالات والرصد الإلكتروني تستطيع مراقبة مساحات واسعة، وتتبع الرادارات والاتصالات العسكرية وحركة السفن والطائرات، بما يوفر معلومات ثمينة في أي مواجهة إقليمية.

ومن هنا، فإن استفادة الاحتلال لا تقتصر على بيع المعدات، بل تشمل إمكان الوصول إلى بيئة استخبارية أوسع حول إيران والخليج.

وكلما زاد التكامل بين المنظومات الإماراتية والإسرائيلية، أصبحت أبوظبي جزءًا من شبكة أمنية تقودها تل أبيب وواشنطن، بدل أن تكون دولة تحتفظ بقرارها الدفاعي المستقل.

ماذا تثبت الوثائق.. وما الذي يبقى استنتاجًا؟

تدعم الوثائق، وفق النصوص الظاهرة، عدة حقائق أساسية:

  • وجود طلب إماراتي للحصول على طائرات مأهولة وغير مأهولة بقدرات استخبارات إشارية متقدمة.
  • مناقشة إسرائيلية لتصدير «هيرمس 900» إلى الإمارات.
  • وجود قيد يمنع تزويد النسخة المصدرة بقدرات هجومية.
  • اهتمام إماراتي بدمج الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والمراقبة السيبرانية.

أما القول بوجود تبادل كامل للبيانات العملياتية بين الطرفين، أو استخدام المنظومات فعليًا ضد دولة بعينها، فلا تثبته الصفحات المعروضة وحدها، ويظل استنتاجًا محتملًا يحتاج إلى وثائق تشغيلية أو أدلة إضافية.

تطبيع يجعل الإمارات تابعة ولا يجعلها شريكًا

الخلاصة الأهم في الوثائق ليست فقط أن الإمارات طلبت شراء طائرات ومنظومات إسرائيلية متقدمة، بل أن الاحتلال هو من احتفظ بحق تحديد السقف المسموح به.

فأبوظبي أرادت مراقبة واسعة، واعتراض اتصالات، وقدرات حرب إلكترونية وهجومًا سيبرانيًا، بينما أعطتها إسرائيل ما يخدم شبكتها الأمنية ويحافظ في الوقت نفسه على تفوقها.

وهكذا يكشف التعاون العسكري بين الطرفين حقيقة التطبيع: الإمارات تفتح أجواءها وأسواقها وبياناتها أمام الاحتلال، وتدخل في اعتماد تقني طويل الأجل على شركاته، بينما تبقي تل أبيب يدها على مفتاح القوة، وتمنح أبوظبي عينًا تراقب بها المنطقة، لكنها تحرمها من السلاح الذي يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة.