لم تكن الضربة التي نفذها سلاح البحرية الإسرائيلي على ميناء الحُديدة اليمني مجرد تحرك عسكري عابر في مواجهة الحوثيين، بل كانت رسالة دموية تحمل توقيعًا عربيًا غير معلن. ففي خلفية هذا الهجوم البعيد عن الجغرافيا الإسرائيلية، يبرز سؤال أكثر أهمية من “لماذا ضربت إسرائيل اليمن؟”، وهو: كيف وصلت إلى هناك؟ ومن سهّل لها الطريق؟

الإجابة ليست عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز.. إذ لم تكن إسرائيل لتنفذ هجومًا من هذا النوع دون شبكة تنسيق إقليمي مع أنظمة ترى في تمدد النفوذ الإيراني تهديدًا يفوق عدوان الاحتلال على غزة، ودون مسارات ملاحية وجوية لم تكن لتُفتح إلا بموافقة من العواصم التي لطالما خذلت “القضية الفلسطينية”.

من إيلات إلى الحديدة: طريق القصف العربي

يمتلك الاحتلال الإسرائيلي منفذًا مباشرًا على البحر الأحمر عبر ميناء إيلات. ومنه، تستطيع سفنه الحربية الانطلاق جنوبًا عبر مضيق تيران وصنافير، الخاضع منذ اتفاقيات نقل السيادة إلى ترتيبات أمنية مشتركة بين مصر والسعودية. هذا الطريق لم يُستخدم للملاحة التجارية فقط، بل صار – عمليًا – ممراً حربيًا إسرائيليًا مفتوحًا بضوء أخضر سعودي-مصري، ولو بالصمت والتواطؤ.

أما القطع الأكبر التي لا تنطلق من إيلات، فقد سلكت قناة السويس، التي شهدت علنًا في وقت سابق عبور فرقاطة إسرائيلية رُفعت فوقها الأعلام المصرية والإسرائيلية معًا، في مشهد يؤرخ لسقوط جديد للعروبة الرسمية تحت قدَم التطبيع الأمني مع الاحتلال.

مصر التي التزمت الصمت، اكتفت بتكرار الحديث عن “حرية الملاحة”، متناسية أن هذه الحرية لا تعني السماح بمرور أدوات العدوان لقصف دولة عربية تحت الحصار والجوع.

السعودية: التنسيق في الظل

رغم النفي الرسمي السعودي لأي مشاركة أو علم مسبق بالهجوم الإسرائيلي، إلا أن التقارير العبرية تحدثت بوضوح عن تنسيق ميداني ضمني، خاصة خلال الضربات الجوية السابقة التي استخدمت فيها إسرائيل المجال الجوي المحاذي للسعودية.

ولأن السعودية لا تريد الزج باسمها مباشرة في دعم عدوان إسرائيلي على اليمن، خصوصًا في ظل تطلعاتها لقيادة الإقليم، فقد اكتفت بـ”غضّ الطرف”، وفتحت الطريق سياسيًا وعسكريًا، دون أن تحرّك دفاعاتها الجوية أو تطلق حتى تصريح إدانة شكلي.

لكنّ مرور السفن الإسرائيلية من مضيق تيران وصنافير – الخاضع لسيادتها – ليس تفصيلًا تقنيًا بل مشاركة صامتة. والمفارقة أن السعودية التي لطالما خاضت حربًا مفتوحة ضد الحوثيين، اختارت هذه المرة أن تترك المهمة لـ”الشريك الإسرائيلي”، وتتوارى خلف جدار الإنكار الدبلوماسي.

الإمارات: شريك في الميدان والمعلومة

الإمارات، التي سبق أن نشرت قواتها على السواحل اليمنية، وأدارت شبكة من المليشيات والانفصاليين، تحتفظ اليوم بنفوذ استخباراتي واسع من سقطرى إلى باب المندب، وكذلك في جزر وموانئ القرن الإفريقي، حيث تمتلك قواعد ونقاط إمداد استخدمت سابقًا في التحالف العسكري باليمن.

لم تصدر أبوظبي أي تعليق رسمي على الضربة الإسرائيلية، لكن في ظل التنسيق الأمني المتزايد مع تل أبيب منذ اتفاقيات أبراهام، لا يمكن فهمه إلا كمشاركة استخباراتية مباشرة، وبكل تأكيد فإن  معلومات ميدانية أو صور استطلاع  وتقييمات أمنية حول الميناء وأهدافه قد وصلت إلى إسرائيل عبر قنوات إماراتية تعمل على الأرض اليمنية، أو من خلال غرفة عمليات مشتركة مع الأمريكيين أو الإسرائيليين في البحر الأحمر.

الاحتلال يستكمل حرب غزة… من سواحل اليمن

جاءت الضربة على الحديدة ردًا إسرائيليًا على استهداف الحوثيين للأراضي المحتلة تضامنًا مع غزة. لكنّ هذه العملية لم تكن في سياق “الأمن البحري” أو “الدفاع عن الملاحة”، كما زعمت تل أبيب. بل كانت جزءًا من معركة واحدة مستمرة منذ أكتوبر 2023، حيث يسعى الاحتلال إلى إخماد كل صوت داعم لغزة، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن.

ولأن الحوثيين خرجوا عن الخط المرسوم في معادلات الحرب، جاءت الضربة من البحر، ومن خلفها تحالف التطبيع الأمني الصامت، الذي ترى فيه أنظمة مثل الإمارات والسعودية في تمدد المقاومة خطرًا على مصالحها، ولو جاء من جماعات لا تتفق معها.

الرسالة وصلت… لكن الثمن مدفوع بالسيادة

الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بإرسال صواريخه إلى الميناء اليمني، بل أوصل معها رسالة موجهة إلى الداخل العربي:

من يفتح مياهه وأجواءه ويصمت عن العدوان، لن يكون شاهدًا محايدًا، بل شريكًا في الجريمة.

لقد كشفت هذه العملية عن واقع سياسي مخزٍ، تعيشه المنطقة منذ سنوات:

تحالف أمني صامت بين أنظمة مستبدة والاحتلال الإسرائيلي، يتجاوز فلسطين، ويصل إلى كل أرض يُشتبه بأنها تدعم المقاومة.

وبين ممرات السويس، ومضائق تيران، وقواعد القرن الإفريقي، سارت البوارج الإسرائيلية نحو اليمن على بساط من التنسيق العربي.

وبينما كانت غزة تُقصف ليلًا ونهارًا، فتحت أنظمة عربية ممرات السيادة وسكتت عن ضربة جديدة تنفذها إسرائيل باسم “الأمن الإقليمي”.

العدوان على ميناء الحديدة ليس معزولًا عن العدوان على غزة. إنها جبهة واحدة، وسكوت الأنظمة عنها خيانة واحدة.