على مدى ثلاث سنوات، انتشرت آلاف الإعلانات المدفوعة على «يوتيوب» و«تيك توك» و«فيسبوك»، تحمل رسالة متكررة: قطر وراء الهجرة إلى أوروبا، والمساجد أدوات للسيطرة عليها، والمسلمون جزء من مشروع يهدد هوية القارة. وخلف هذه المواد، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية عملية تأثير واسعة، ممولة بملايين اليوروهات، استطاعت الاستمرار رغم البلاغات والحذف، وتركت آثاراً تقنية ومهنية تصل إلى قطاع صناعة الحملات السياسية في إسرائيل.
نشرت الصحيفة تحقيقها في 29 أكتوبر 2026، بالتزامن مع دراسة جديدة للباحثَين مارك أوين جونز، الأستاذ في جامعة نورث وسترن بفرعها في الدوحة، وسوهان دي سوزا، الباحث المستقل. وكان الباحثان قد نشرا تقريراً أولياً عن العملية عام 2024، قبل أن يعودا لتوثيق توسعها واستمرارها وطرق تجاوزها إجراءات المنصات.
وقدّرا إجمالي انتشارها بنحو 830 مليون مشاهدة خلال ثلاث سنوات، وهو تقدير وصفاه بالمتحفظ، فيما يُرجَّح أن ميزانيتها تجاوزت عشرة ملايين يورو. هذه الأرقام تخص مرات المشاهدة عبر المنصات، لكنها تكشف حجم الإنفاق والقدرة على تكرار الرسائل أمام الجمهور. ووصف الباحثان العملية بأنها واحدة من أضخم حملات التأثير والتضليل التي جرى توثيقها.
تنبع خطورة الحملة من أنها تربط استهداف دولة بالتحريض على جماعات بشرية كاملة. فالهجوم على قطر يتحول داخل المقاطع إلى اتهام للمهاجرين، وتُستخدم صور المسلمين والمساجد لبناء شعور بالخطر، بينما تُقدَّم سرديات المؤامرة في قالب إعلانات ساخرة أو مقاطع قصيرة يسهل تداولها.
في أحد الأمثلة، أُعيد تقديم لعبة «غراند ثفت أوتو» تحت اسم «غراند ثفت قطر». ويظهر فيها رجل يرتدي زياً إماراتياً وهو يشتري مباني أوروبية لتحويلها إلى مساجد. وتستغل المادة مظهراً خليجياً لتجسيد شخصية يُفترض أنها تمثل قطر، ثم تربط شراء العقارات وبناء المساجد بفكرة الاستيلاء على أوروبا.
هذا الاستخدام للزي الإماراتي يكشف الخلط المتعمّد أو الاستسهال في تصوير المجتمعات الخليجية داخل الدعاية، لكنه لا يحدد هوية القائمين عليها. أما مضمون الإعلان نفسه فواضح: تحويل المسجد من مكان عبادة إلى علامة على تهديد خارجي، وتقديم الوجود الإسلامي بوصفه مشروع توسع عدائياً.
وفي سلاسل أخرى، عرضت الإعلانات مهاجرين داخل مدن أوروبية، مع شعار متكرر يقول: «قطر هي المسؤولة». وتتراكم هذه المواد لتصنع علاقة زائفة بين مشاهد الحياة اليومية والهجرة وبين جهة خارجية يُنسب إليها التخطيط والتمويل.
وتتهم المقاطع الدوحة بدعم الإرهاب وتشجيع الهجرة الجماعية، ثم تدفع بالاتهام إلى سردية أشمل تزعم وجود هدف سري لـ«أسلمة أوروبا». وتستمد هذه السردية عناصرها من نظرية «الاستبدال الكبير» العنصرية، التي تصوّر التغيرات السكانية والهجرة باعتبارها مؤامرة لإحلال سكان محل آخرين.
النتيجة أن المشاهد لا يتلقى نقداً لسياسة قطرية محددة، بل يُدفع إلى النظر إلى المسلمين والمهاجرين باعتبارهم امتداداً لقوة معادية. وهذه هي الحلقة التي تصل التشويه الجيوسياسي بالتحريض العنصري: يُستخدم اسم قطر لإضفاء تفسير تآمري على وجود ملايين البشر في المجتمعات الأوروبية.
وخلال الأشهر الأخيرة، أصبحت فرنسا البلد الأكثر استهدافاً، بعدما سجلت المواد المرتبطة بالحملة نحو 120 مليون مشاهدة فيها خلال ثلاث سنوات. ووصلت الإعلانات إلى ملايين المستخدمين الفرنسيين عبر المنصات الثلاث، في وقت يحتدم فيه الجدل السياسي بشأن الهجرة والهوية والاستعداد للانتخابات الرئاسية عام 2027.
ولا يقتصر التحقيق على حجم المشاهدات؛ إذ يكشف تحليل توقيت النشر وشراء الإعلانات ارتباطات متكررة بالمواعيد الانتخابية. ففي عام 2024، تركزت الإعلانات الموجهة إلى فرنسا خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات الأوروبية. وفي ألمانيا، توقفت مشتريات إعلانية للحملة بصورة مفاجئة قبيل انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت عام 2026، التي شهدت فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.
وأشار الباحثان إلى استمرار النشاط في دول تقترب من استحقاقات مهمة عام 2027، بينها فرنسا وإيطاليا، معتبرَين أن الإلحاح على الرسائل المعادية للمسلمين والهجرة يشير إلى محاولة التأثير في المناخ السياسي السابق للانتخابات.
هذا التزامن لا يقدم قياساً لعدد الأصوات التي غيّرتها الحملة، لكنه يكشف اختيار لحظات تكون فيها هذه الرسائل أشد قابلية للتوظيف السياسي. فالتخويف من الهجرة والإسلام يخدم موضوعات رئيسية في خطاب اليمين المتطرف، ويمنحها انتشاراً مدفوعاً خارج حسابات الأحزاب الرسمية وحملاتها المعلنة.
وعلى الرغم من اتساع العملية، جاءت استجابة المنصات جزئية ومتأخرة. فقد حذف «تيك توك» عشرات الإعلانات، لكن بعضها ظل متاحاً حتى تجاوز مليون مشاهدة. وفي مثل هذه الحالات، تكون الرسالة قد وصلت بالفعل إلى جمهور واسع قبل اتخاذ الإجراء.
واستُخدم اسم شركة واحدة لشراء عشرات الإعلانات المخالفة لقواعد المنصة. ولم تتمكن «لوموند» من التحقق من وجود تلك الشركة، وهو ما يضع إجراءات التحقق من هوية المعلنين تحت سؤال مباشر: كيف سُمح لجهة بهذه الدرجة من الغموض بشراء هذا الحجم من الإعلانات ذات المضمون السياسي والعنصري؟
أما على «يوتيوب»، فلم يؤدِّ إغلاق الحسابات إلى تعطيل العملية نفسها. فقد أعاد القائمون عليها إنشاء حسابات جديدة واستأنفوا البث خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. وهكذا تحولت الإزالة إلى عائق مؤقت، بينما بقيت القدرة على الإنتاج والتمويل وشراء الانتشار متاحة.
وكشف التحقيق انتقال الحملة بين وسطاء لشراء المساحات الإعلانية. ففي مرحلة سابقة، استُخدمت شركة فيتنامية، ثم انتقل النشاط إلى أصحاب أعمال فردية في البرازيل، بدأوا فجأة شراء إعلانات سياسية بعشرات آلاف اليوروهات. ويضيف هذا المسار طبقات بين الجهة المنظمة والمستخدم الذي يشاهد الإعلان، ويعقّد الوصول إلى مصدر المال.
لكن بعض الجمهور انتبه إلى ما يجري. فقد أظهرت تعليقات على «يوتيوب» و«تيك توك» اعتراضات على عنصرية المقاطع، كما لاحظ مستخدمون الطابع المنسق للحملة. ومع ذلك، لم يؤدِّ انكشاف بعض أساليبها إلى توقفها؛ فقد واصل الإنفاق الإعلاني دفع المواد نحو جمهور جديد.
وعند البحث عن الجهة التي دفعت الأموال، ظهرت محاولة إضافية للتضليل. ففي أدوات الشفافية الإعلانية على «تيك توك»، سجّل المشترون اسم «إيران» في خانة الممول، وهي معلومة وصفتها «لوموند» بأنها كذبة فجة.
ويتعارض هذا التعريف مع مسار نشاط العملية نفسها؛ إذ أطلقت الحملة مواد ضد إيران وحزب الله داخل لبنان، اتسمت بتجنب ذكر إسرائيل. كما كشف تحليلها على مدى زمني أطول عن حملات تتقاطع مع مصالح إسرائيل، الخصم الجيوسياسي لكل من إيران وقطر.
وترتبط الخصومة الإسرائيلية مع قطر باستضافتها قيادات من حركة حماس، واتهام إسرائيل لها بترويج خطاب الحركة. وفي هذا السياق، تصبح مهاجمة الدوحة جزءاً من بيئة سياسية أوسع، لكن التحقيق لم يكتفِ بتحديد المستفيد السياسي؛ بل بحث عن صلات تقنية ومهنية يمكن تعقبها.
ومن الوقائع اللافتة التي رصدها أيضاً نشر إعلانات تروّج لرئيس الوزراء المجري آنذاك فيكتور أوربان في نوفمبر 2024، يوم إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو، وقبيل دعوة أوربان له إلى زيارة المجر. ويضع هذا التوقيت نشاط الحملة في تقاطع مع أزمة نتنياهو الدولية، إلى جانب استهداف قطر وإيران.
أما الدليل التقني الأول، فجاء من نشاط على «ويكيبيديا». فقد استخدمت العملية حسابات تخفي هويات أصحابها وعناوين الإنترنت الحقيقية لإجراء تعديلات على الموسوعة. لكن خللاً تقنياً كشف عنوان الاتصال الحقيقي لأحد المحررين لفترة وجيزة، وأظهر أنه موجود داخل إسرائيل.
ثم انتقل الباحثان إلى فحص مقاطع الفيديو نفسها. واكتشفا أن بيانات عدد منها لم تُنظَّف بصورة كاملة قبل النشر، فاحتفظت بمعلومات مرتبطة بإنتاجها. وأظهرت البيانات أن محرري المقاطع كانوا يعملون وفق التوقيت الإسرائيلي، كما كشفت أسماء مستعارة لبعض صانعي المحتوى.
كل عنصر من هذه العناصر له حدود في دلالته، لكن اجتماع عنوان اتصال إسرائيلي وبيانات إنتاج وصلات مهنية داخل سوق الحملات السياسية الإسرائيلي هو ما منح التحقيق ثقله. فالمسألة تتجاوز مجرد القول إن إسرائيل تستفيد من مهاجمة قطر؛ هناك آثار تركها أشخاص شاركوا في العمل ويمكن تتبع نشاطهم.
وكان أبرز الأسماء الظاهرة في البيانات «ShukiD» — «شوكي دي»، وهو صانع فيديو معروف في الأوساط السياسية الإسرائيلية. وقد تعاون في حملات عدة، بينها أعمال لصالح موشيه كحلون، وزير المالية السابق في حكومة نتنياهو.
ويعرض موقعه المهني مقاطع أنجزها لحملات سياسية في زيمبابوي والكونغو ودول أخرى، بما يكشف خبرته في إنتاج مواد سياسية لجماهير خارج إسرائيل. وعندما طلبت «لوموند» تعليقه على ما توصلت إليه، لم يستجب.
كما أظهر تتبع ملف أعماله وسجله على الإنترنت أنه تعاون مع أشخاص شاركوا في مشروع سابق للدعوة إلى مقاطعة قطر. وقد انطلق ذلك المشروع بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، وكشفت صحيفة «هآرتس» وجوده في منتصف سبتمبر.
تشكّل المشروع حول مجموعة على تطبيق «واتساب»، ضمّت شخصيات من المجتمع المدني ومتخصصين في الاتصال السياسي. ولم يتوقف عند تبادل الأفكار؛ فقد جُمعت له أموال، وأُنشئت مواقع إلكترونية، وأُعدّت رسائل دعائية، قبل أن يتوقف فجأة من دون تفسير معلن.
وتفتح هذه التفاصيل سؤالاً محدداً عن العلاقة بين المشروع الذي توقف والحملة التي استمرت: هل انتقلت بعض أدواته أو كوادره إلى عملية أخرى؟ وهل استُخدمت المواد أو الشبكات المهنية نفسها في الإعلانات التي اجتاحت فرنسا؟ المادة المنشورة تكشف الصلات، لكنها لا تقدم إجابة نهائية عن وحدة الإدارة أو التمويل بين المشروعين.
ومن بين الأشخاص الذين حاولت «لوموند» سؤالهم ليور خوريف، الشريك المؤسس لوكالة التأثير «بيرسيبتو». فقد أوردت «هآرتس» اسمه ضمن المشاركين في مشروع مقاطعة قطر، كما سبق له العمل مع «شوكي دي».
سألته الصحيفة عما إذا كانت الحملات الأخيرة الموجهة إلى فرنسا قد نشأت من المشروع الأول، لكنه لم يستجب. ويترك غياب الإجابة أسئلة معلقة بشأن سلسلة الإنتاج والتمويل، من دون أن يمحو المعلومات الموثقة عن العلاقات المهنية والآثار الرقمية.
تُظهر هذه الوقائع كيف تعمل صناعة التأثير عبر الحدود: منتجون متخصصون، وشبكات علاقات سياسية، ووسطاء لشراء الإعلانات، وحسابات متجددة، وبيانات مضللة عن الممول. وفي نهاية هذا المسار، يتلقى المستخدم مقطعاً قصيراً يبدو منفصلاً عن غيره، بينما هو جزء من عملية استمرت سنوات وأنفقت ملايين اليوروهات.
وتكشف الحملة أيضاً خللاً في أنظمة الشفافية التي يفترض أن تسمح بتحديد مصدر الدعاية. فخانة تحمل اسم «إيران» لا تحقق الشفافية إذا كانت المعلومة غير صحيحة، وحذف إعلان بعد انتشاره لا يعالج شبكة تستطيع العودة خلال يوم، والتحقق من حساب منفرد لا يكشف بالضرورة الوسطاء الذين ينفقون المال نيابة عن آخرين.
أما الأثر الإنساني والسياسي، فيقع على المجتمعات التي جرى تحويلها إلى هدف. المسلم الذي يُصوَّر مسجده باعتباره أداة احتلال، والمهاجر الذي يُقدَّم وجوده بوصفه مؤامرة، يواجهان خطاباً يسحب منهما صفة الفرد ويضعهما داخل اتهام جماعي.
ما كشفته «لوموند» يستدعي تتبع الممولين والمشغّلين، ومساءلة الجهات المرتبطة بصناعة التأثير الإسرائيلية، وإلزام المنصات بكشف المشترين والوسطاء وحفظ الأدلة. فالحملة الموثقة لم تنشر نقداً سياسياً عابراً؛ لقد اشترت انتشاراً واسعاً للكراهية، وجعلت تشويه قطر وسيلة لتأجيج العداء للمسلمين والمهاجرين في أوروبا.