بقلم: الهادى أبو صالح

في تحول دراماتيكي يندر أن تشهده السياسة الدولية، أصبحت إسرائيل -التي لطالما قدّمت نفسها كـ”ديمقراطية محاصرة” في محيط عدائي- موضع ازدراء عالمي متزايد، بعد أشهر من حربها المستمرة على قطاع غزة. 

ومع دخول الحرب شهرها العاشر، بدأت صحف عالمية مرموقة بإطلاق تسميات صادمة على إسرائيل مثل “العلامة السامة”، ولم تعد قادرة على تبرير ما تفعله قوات الاحتلال من تجويع وقصف وترويع بحق سكان القطاع المحاصر.

التحول لا يقتصر على الرأي العام الشعبي فحسب، بل امتد إلى النخب الإعلامية الغربية التي كانت حتى وقت قريب تتردد في انتقاد سياسات تل أبيب. واليوم، تتجرأ هذه الصحف على تسمية الأشياء بأسمائها: فشل عسكري، كارثة إنسانية، انتحار سياسي، وتدهور أخلاقي.

 

الصحافة الإسرائيلية تُقر: قتلنا أنفسنا مرتين

صحيفة “جيروزاليم بوست” ذات التوجه اليميني عبّرت عن حالة الارتباك والقلق المتزايد داخل إسرائيل، وسلطت الضوء على سؤال يتردد اليوم على ألسنة الإسرائيليين: “هل تأخرنا كثيرًا في الخروج من غزة؟”.
فالنتيجة حتى الآن، بحسب الصحيفة، باهظة لا يمكن تبريرها: 900 جندي قتلوا، آلاف الجرحى، انفجار في حالات الانتحار بين الجنود، وخسارة اقتصادية تجاوزت 60 مليار دولار. لكن الأخطر، وفق الصحيفة، هو الانهيار النفسي والعزلة الدولية المتزايدة.

أما الكاتب أورون نهاري، فقد كتب في “يديعوت أحرونوت” أن إسرائيل “فقدت صورتها الأخلاقية إلى الأبد”، مشيرًا إلى أن صورة طفلة جائعة في غزة “تغلب أفضل وسائل الدعاية في العالم”. وفي تعبير حاد، قال إن إسرائيل تحولت إلى “سُمّ دولي”، بعدما كانت تُعامل كدولة لا يُمكن المساس بها.

الغرب يحرج نفسه أمام المجاعة والصور

صحيفة Seattle Times الأميركية دخلت على الخط، عبر الكاتبة جاكي كولز، التي هاجمت السياسات الإسرائيلية بحدة، قائلة إن “نتنياهو بات عبئًا أخلاقيًا على كل من يدافع عن إسرائيل”، وإن واشنطن نفسها بدأت تشهد تصدعات في دعمها التقليدي لتل أبيب.

وأكدت الكاتبة أن المفارقة التاريخية باتت لا تُحتمل: فإسرائيل التي نشأت وسط تعاطف عالمي مع ضحايا الهولوكوست، باتت اليوم المسؤولة عن صور أطفال بأجساد هزيلة تُشبه ضحايا معسكرات النازي. وتساءلت: “كيف يمكننا أخلاقيًا الدفاع عن هذا؟”.

أما صحيفة الغارديان البريطانية فقد قدمت تقريرًا صادمًا يستند إلى بيانات صادرة عن مجموعة مراقبة النزاعات الدولية، كشفت فيه أن إسرائيل أغلقت 88% من التحقيقات في الجرائم التي ارتكبها جيشها في غزة، بما في ذلك مجازر موثقة راح ضحيتها مدنيون أثناء سعيهم للحصول على الطحين.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا النمط يعكس سياسة “الإفلات من العقاب”، حيث باتت السلطات الإسرائيلية تستخدم أدوات التحقيق كغطاء سياسي بدلاً من تحقيق العدالة.

الهجوم المعاكس: قضايا ضد الأونروا لتشتيت الانتباه

في محاولة واضحة لتشتيت الانتباه عن المجازر المستمرة في غزة، أفادت صحيفة نيويورك تايمز أن مجموعة من ذوي ضحايا عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول رفعوا دعوى قضائية ضد وكالة الأونروا، يتهمونها بدعم حماس وحزب الله. هذه الخطوة تأتي في سياق تغيير في سياسة واشنطن تجاه الوكالة منذ عهد ترامب، وتهدف إلى فتح الباب أمام عقوبات محتملة ضد الأونروا أو أي منظمة تتعامل معها.

ويرى محللون أن هذه الدعوى لا تخلو من أبعاد سياسية، إذ تسعى إسرائيل إلى شيطنة كل مؤسسة إنسانية تكشف جرائمها في غزة، وتحويل النقاش من القتل الجماعي والمجاعة إلى سجالات قانونية حول دعم “الإرهاب”.

خاتمة: حين تسقط الرواية أمام الجوع والدم

في النهاية، فإن أبرز ما تكشفه تغطيات الصحف الغربية هو انهيار سردية الاحتلال الإسرائيلي التي طالما اعتمدت على خطاب “الدفاع عن النفس”. فمشاهد المجاعة في غزة، وصور الأطفال الجوعى، ونهر الدماء الذي لم يتوقف منذ أكتوبر الماضي، كانت أقوى من كل ماكينات الإعلام التي حشدتها إسرائيل لعقود.

وبات واضحًا أن الغضب لا يأتي فقط من صور الموت، بل من عجز إسرائيل عن إقناع العالم بشرعية ما تقوم به، مما يدفعها نحو مزيد من العزلة والارتباك، ويحوّلها إلى “دولة مارقة” بنظر شرائح متزايدة من المجتمع الدولي.

وفي ظل هذا الانهيار الأخلاقي والدبلوماسي، تبقى إسرائيل تواجه ليس فقط مقاومة فلسطينية شرسة، بل مقاومة عالمية تتنامى داخل عواصم الغرب، تمامًا كما انهارت أنظمة الفصل العنصري قبلها.

اقرأ أيضًا : بطولة بلا روح: كيف تحوّل مونديال 2034 إلى مسرحية لتطبيع القمع السلطوي؟