في مشهد يعكس طبيعة السلوك القمعي لقوات الاحتلال، أُصيب خمسة فلسطينيين، اليوم الأربعاء، جراء اعتداء جنود الاحتلال عليهم بالضرب المبرح خلال اقتحام منطقة جبل جوهر في مدينة الخليل. وأفاد الهلال الأحمر الفلسطيني أن الإصابات تراوحت بين كسور ورضوض، نُقل المصابون على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج، في واقعة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات اليومية بحق المدنيين الفلسطينيين.
وبحسب وكالة وفا، فإن الاعتداء وقع أثناء خروج المواطنين لشراء احتياجاتهم الأساسية من المواد التموينية، عقب أنباء متداولة عن تعليق مؤقت لحظر التجوال المفروض على المنطقة منذ ثلاثة أيام. غير أن قوات الاحتلال سرعان ما حوّلت هذا “التخفيف” المزعوم إلى فخ، استُخدم للاعتداء الجسدي المباشر على المدنيين العزّل.

حصار وتجويع وسياسة تنكيل ممنهجة
الاعتداء الأخير لم يكن حادثًا معزولًا، بل يأتي في سياق عملية عسكرية متواصلة تشنها قوات الاحتلال منذ ثلاثة أيام في جبل جوهر والمنطقة الجنوبية من الخليل. هذه العملية تترافق مع حصار مشدد، وحظر تجول قاسٍ، ومداهمات متكررة للمنازل، إضافة إلى الاعتقالات والاحتجاز التعسفي، في محاولة لإخضاع السكان عبر سياسة العقاب الجماعي.
وتُظهر المعطيات الميدانية أن قوات الاحتلال تتعمد استهداف الحياة اليومية للفلسطينيين، عبر تعطيل قدرتهم على تأمين الغذاء والدواء، وتحويل أبسط الحقوق الإنسانية إلى أدوات ضغط أمني. فالاعتداء على أشخاص خرجوا لشراء احتياجاتهم الأساسية يفضح حقيقة أن الهدف لا يتعلق بـ“أمن” مزعوم، بل بإرهاب السكان وكسر إرادتهم.
الخليل بين الاتفاقات والواقع القمعي
تُنفذ العملية العسكرية في الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من الخليل، وفق ما يُعرف باتفاق الخليل الموقع عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية و**إسرائيل**. ويشمل ذلك أحياء محيطة بالبلدة القديمة، وعلى رأسها محيط المسجد الإبراهيمي.
غير أن ما يجري على الأرض يكشف أن هذه الاتفاقات تحولت عمليًا إلى غطاء قانوني لاستباحة المدينة وسكانها. فالسيطرة الأمنية الإسرائيلية تُترجم يوميًا إلى اقتحامات واعتداءات، بينما تُفرغ أي التزامات قانونية أو إنسانية من مضمونها، في ظل غياب المساءلة الدولية.
تصعيد ممتد منذ حرب غزة
منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي استمرت قرابة عامين، كثّفت إسرائيل اعتداءاتها في الضفة الغربية، ليس فقط عبر جيشها، بل أيضًا من خلال المستوطنين الذين يعملون في كثير من الأحيان بتواطؤ مباشر مع القوات الرسمية. وقد شمل هذا التصعيد القتل والاعتقال والتهجير القسري، إضافة إلى تسارع التوسع الاستيطاني.
ووفق معطيات رسمية فلسطينية، أسفرت هذه السياسات عن استشهاد ما لا يقل عن 1107 فلسطينيين، وإصابة نحو 11 ألفًا آخرين، فضلًا عن اعتقال أكثر من 21 ألف شخص. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية، بل تشير إلى استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي في الضفة الغربية.
إجرام بلا محاسبة ورسائل ترهيب واضحة
الاعتداء على خمسة فلسطينيين في جبل جوهر يبعث برسالة واضحة: لا خطوط حمراء لدى قوات الاحتلال عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. فالعنف الجسدي، والحصار، ومنع الحركة، كلها أدوات تُستخدم لإدامة السيطرة، في ظل إفلات شبه كامل من العقاب.
ويحذّر فلسطينيون من أن هذا المسار التصعيدي يمهّد فعليًا لضم الضفة الغربية، عبر فرض وقائع ميدانية بالقوة، وتجريد السكان من أي شعور بالأمان أو الاستقرار. وفي ظل صمت دولي متواصل، تتكرس سياسة الإجرام المنهجي كأمر واقع، يدفع ثمنه المدنيون العزّل يومًا بعد يوم.
في الخليل، كما في سائر مدن الضفة، لم يعد الاعتداء خبرًا استثنائيًا، بل أصبح عنوانًا دائمًا لواقع الاحتلال، حيث يُستهدف الإنسان الفلسطيني في جسده وكرامته، وسط عالم يكتفي بالمشاهدة.
اقرأ أيضًا : من قاعة المسرح إلى قفص الاتهام: كيف تحوّل “كوميدي إسرائيلي” إلى متهم بجرائم حرب في نيويورك؟