في مشهد يلخّص حقيقة الواقع اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية، أصيبت طفلة فلسطينية تبلغ من العمر تسع سنوات بقنبلة صوتية أطلقها جيش الاحتلال مباشرة نحو رأسها، خلال اقتحام جديد لمخيم نور شمس شرق طولكرم. ورغم بشاعة الحادثة التي أعادت التذكير بثمن الاحتلال المدفوع من أجساد الأطفال، مرّت التطورات في ظل صمت رسمي مطبق من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يواصل الاكتفاء ببيانات عامة بعيدة عن مستوى الانتهاكات التي تزداد وتيرتها بشكل غير مسبوق.
طفلة تسقط بقنبلة صوتية في الرأس
وفق بيان للهلال الأحمر الفلسطيني، تعاملت طواقمه مع إصابة الطفلة (9 سنوات) إثر إطلاق قوات الاحتلال قنبلة صوت باتجاه الأهالي خلال وقفة احتجاجية سلمية عند مدخل مخيم نور شمس، حيث كان السكان يطالبون بالسماح لهم بالعودة الكاملة إلى المخيم بعد أشهر من الحصار والدمار الذي خلّفه الاحتلال.
القنبلة التي يفترض أن تكون “غير قاتلة” أطلقت بطريقة مباشرة، وهو ما يحوّلها إلى أداة يمكن أن تُحدث إصابات خطيرة أو قاتلة. إصابة الطفلة جاءت وسط قصف بالغاز المسيّل للدموع وقنابل الصوت استهدف المحتجين، ما أدى أيضًا إلى عشرات حالات الاختناق، في مشهد يُظهر تعمّد الاحتلال استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين.
منع وقفة احتجاجية وملاحقة الأهالي
بحسب وكالة الأناضول، منع جيش الاحتلال الوقفة بالكامل، وأغلق المداخل المؤدية إلى المخيم، ومنع الصحفيين من التغطية، في استمرار لسياسة تكميم الصوت الفلسطيني ومنع أي شكل من أشكال الحراك الشعبي السلمي.
وفي القدس، أعلن الهلال الأحمر أن طواقمه تعاملت مع إصابة مواطن برصاص قوات الاحتلال قرب جدار الفصل في بلدة الرام، في تأكيد على اتساع رقعة العنف الإسرائيلي التي لم تعد مقتصرة على نقاط المواجهة التقليدية.
اقتِحامات واسعة في نابلس وعمليات ليلية متصاعدة
لم يمض وقت طويل على أحداث طولكرم حتى شنت قوات الاحتلال حملة اقتحام واسعة في البلدة القديمة بنابلس. عمليات المداهمة الليلية أصبحت جزءًا ثابتًا من الاستراتيجية الإسرائيلية في الضفة، حيث تهدف إلى زعزعة الحياة اليومية، وخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار، وإبقاء المجتمع الفلسطيني تحت الضغط الأمني المستمر.
وتزامنت هذه الاقتحامات مع انتشار مكثف للدوريات العسكرية وإغلاق العديد من الشوارع، وسط اعتقالات ومواجهات في محيط البلدة القديمة ومساجدها وأحيائها التاريخية.
عدوان مستمر منذ مطلع العام: تدمير وتهجير وتغيير ديموغرافي
منذ بداية العام الجاري، يواصل جيش الاحتلال تنفيذ سياسة عسكرية مفتوحة شمالي الضفة، بدأت بمخيم جنين، ثم انتقلت إلى مخيمي طولكرم ونور شمس. هذا العدوان أدّى إلى تدمير مئات المنازل، وتهجير أكثر من 50 ألف فلسطيني، في واحد من أكبر موجات النزوح الداخلي في الضفة منذ سنوات طويلة.
التقارير الفلسطينية تتحدث أيضًا عن هدم آلاف الوحدات السكنية، وشق طرق عسكرية جديدة داخل المخيمات، في خطوات تشبه عمليات “إعادة هندسة” جغرافية وديموغرافية، تهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية للمخيمات وإضعاف قدرتها على المقاومة والصمود.
مستوطنون يعيثون فسادًا.. والجيش يوفر الغطاء
في موازاة الاقتحامات العسكرية، تشهد الضفة الغربية تصعيدًا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين. وتشمل هذه الاعتداءات حرق المنازل والمركبات، ومهاجمة المزارعين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، خاصة في القرى القريبة من الحزام الاستيطاني.
وتشير منظمات حقوقية فلسطينية إلى أن هذه الاعتداءات تجري تحت حماية مباشرة من الجيش الذي غالبًا ما يمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم، ويؤمّن انسحاب المستوطنين عقب الهجمات، في تكامل واضح بين “عنف الدولة” و“عنف المستوطنين”.
أرقام صادمة: أكثر من ألف شهيد و11 ألف مصاب
وفق الإحصاءات الفلسطينية الرسمية، أدت اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة عام 2023 إلى استشهاد ما لا يقل عن 1079 فلسطينيًا في الضفة الغربية وحدها، وإصابة نحو 11 ألفًا، إضافة إلى أكثر من 20,500 معتقل.
هذه الأرقام تُعد الأكبر منذ انتفاضة الأقصى، وتعكس حجم الجرائم الإسرائيلية التي تُمارس بعيدًا عن الضوء الإعلامي الدولي المنشغل بملفات أخرى.
وقف إطلاق النار في غزة.. والضفة تدفع الثمن وحدها
في الوقت الذي دخل فيه اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين تل أبيب وحماس حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنهت إسرائيل حربًا طاحنة خلفت أكثر من 69 ألف شهيد و170 ألف مصاب، تواصل الضفة الغربية دفع ثمن الاحتلال وحدها عبر اقتحامات يومية، واستهداف المدنيين، والتضييق الأمني.
صمت محمود عباس: غياب القيادة في لحظة حاسمة
ورغم كل هذه التطورات الدامية، يلتزم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس صمتًا لافتًا. لا زيارات لمواقع الأحداث، ولا قرارات سياسية، ولا حتى خطاب يرقى لمستوى ما يتعرض له الفلسطينيون.
هذا الصمت أصبح موضوع انتقاد واسع بين الفلسطينيين، الذين يرون أن السلطة باتت خارج المعادلة تمامًا، تاركة شعبها يواجه وحده عدوانًا شاملًا يجمع بين جيش الاحتلال والمستوطنين.
خلاصة
حادثة إصابة الطفلة في طولكرم ليست حدثًا عابرًا، بل هي لوحة صغيرة من مشهد كبير: احتلال يمارس العنف بلا حساب، ومستوطِنون يعيثون فسادًا تحت الحماية، وعدوان شامل على الضفة يجري بصمت رسمي وغياب دولي. وبين هذا وذاك، يظل الأطفال والنساء والبيوت والمخيمات وقودَ سياسة إسرائيلية تستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني، بينما ينتظر الفلسطينيون موقفًا قياديًا حقيقيًا لا يزال غائبًا حتى اللحظة.
اقرأ أيضًا : تونس تنتفض.. مسيرة حاشدة “ضد الظلم” في مواجهة قمع قيس سعيّد