كشفت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض، حيث ناقشا ما وصفته الصحيفة بـ”إعادة إعمار غزة”، في ظل غياب تام لأي إشارة إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو ضمان حقوق الفلسطينيين في أرضهم.
ووفقًا للتقرير الإسرائيلي، شكر روبيو محمد بن سلمان على استضافة القادة العرب خلال القمة التي عُقدت الشهر الماضي في الرياض، والتي كانت بمثابة تحضير لاجتماع آخر عُقد في القاهرة الأسبوع الماضي، حيث قدمت مصر خطتها لإدارة غزة بعد الحرب. وبحسب الصحيفة، رحبت إدارة ترامب بالخطة المصرية واعتبرتها “نقطة انطلاق جيدة”، لكنها انتقدتها باعتبارها غير كافية لعدم ضمانها استبعاد حركة حماس بالكامل من أي ترتيبات مستقبلية.
وخلال لقائه مع بن سلمان، أكد روبيو بوضوح أن أي حل للوضع في غزة “يجب ألا يشمل أي دور لحماس”، ما يعكس الموقف الأمريكي والإسرائيلي الساعي إلى فرض معادلة جديدة على الفلسطينيين، تقوم على تصفية المقاومة بدلًا من التعامل مع جوهر القضية، وهو الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود.
الأنظمة العربية في خدمة رؤية الاحتلال
ما تكشفه هذه التقارير الصادرة عن الإعلام الإسرائيلي هو أن النقاشات الجارية حول مستقبل غزة لا تتعلق بأي شكل من الأشكال بحقوق الفلسطينيين أو إنهاء الاحتلال، بل تركز فقط على فرض واقع جديد يخدم المصالح الإسرائيلية، عبر إخراج غزة من معادلة المقاومة وفرض إدارة بديلة ترضي الاحتلال والولايات المتحدة.
فبينما يُفترض أن يكون الهدف الأول لأي قمة عربية هو دعم القضية الفلسطينية ورفع المطالب بوقف العدوان الإسرائيلي المستمر، تظهر هذه الاجتماعات وكأنها منصات للتفاوض على شروط استمرار الاحتلال بشكل غير مباشر، من خلال الحديث عن “إعادة الإعمار” دون أي إشارة لوقف العدوان، أو محاسبة إسرائيل على جرائمها بحق الفلسطينيين.
إن اختزال الأزمة في غزة في مجرد ملف “إعادة إعمار” هو تضليل متعمد، حيث تحاول واشنطن وتل أبيب تصوير القضية وكأنها مشكلة إنسانية أو اقتصادية تتعلق بتحسين أوضاع السكان، وليس نتيجة احتلال وحصار وتجويع ممنهج. فبدلًا من المطالبة بإنهاء الحصار الإسرائيلي المفروض منذ أكثر من 17 عامًا، أو ضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، يتم الترويج لخطة تعيد صياغة غزة بما يتناسب مع الأجندة الإسرائيلية، وتضمن استبعاد أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية.
مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية
إن الدور الذي تلعبه بعض الأنظمة العربية، وفقًا لما ورد في الإعلام الإسرائيلي، لا يخدم القضية الفلسطينية بقدر ما يخدم الرؤية الأمريكية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصفية القضية بالكامل. فبدلًا من دعم الشعب الفلسطيني في كفاحه المشروع ضد الاحتلال، تتجه هذه الأنظمة نحو تقديم حلول وسط تتجاهل جذور المشكلة، وتُبقي الاحتلال في موقع القوة.
كما أن الإصرار على استبعاد حماس من أي ترتيبات مستقبلية، دون الحديث عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، يعكس رغبة واضحة في فرض واقع جديد يجعل المقاومة الفلسطينية في غزة غير قادرة على لعب أي دور سياسي أو عسكري. فالهدف ليس إعادة الإعمار لصالح الفلسطينيين، بل خلق بيئة تجعل من الاحتلال الإسرائيلي أمرًا واقعًا غير قابل للتغيير.
إعادة الإعمار كأداة للتطبيع
ما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى تحقيقه من خلال هذه الاجتماعات لا يقتصر على إخضاع غزة، بل يتعدى ذلك ليكون جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى دمج إسرائيل في المنطقة عبر بوابة “إعادة الإعمار”. فبدلًا من الحديث عن محاسبة الاحتلال على تدميره المتعمد للبنية التحتية في غزة، يتم الترويج لإسرائيل كشريك محتمل في عمليات إعادة الإعمار، وهو ما قد يكون خطوة جديدة في اتجاه التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال.
بعبارة أخرى، يجري العمل على تحويل جريمة الحرب المتمثلة في تدمير غزة إلى فرصة اقتصادية، يتم فيها إدخال الشركات الإسرائيلية والإقليمية والدولية للعمل في مشاريع الإعمار، مما يجعل الاحتلال جزءًا من مستقبل غزة بدلًا من أن يكون عائقًا أمامه.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد محادثات حول مستقبل غزة، بل هو خطوة أخرى في اتجاه فرض الاحتلال كأمر واقع، مع تحويل كل الجهود نحو تصفية القضية الفلسطينية من خلال حلول ظاهرها إنساني، لكنها في جوهرها تهدف إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية على فلسطين المحتلة.
في ظل هذا المشهد، يجب أن يكون واضحًا أن أي خطة لا تتضمن إنهاء الاحتلال بشكل كامل، ورفع الحصار عن غزة، وضمان حقوق الفلسطينيين في أرضهم، ليست سوى جزء من المؤامرة المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.