في توقيتٍ بالغ الحساسية، ومع استمرار آثار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، كشف الإعلام العبري عن استعدادات ميدانية لاستقبال آلاف الجنود الإندونيسيين ضمن ما يُسمّى “قوة الاستقرار الدولية”، في خطوة تندرج ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب. هذا التطور، الذي تروّج له هيئة الإذاعة الإسرائيلية باعتباره مدخلًا للاستقرار، يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول أهدافه الحقيقية، ودوره في إعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية على القطاع، بدل محاسبة الاحتلال على جرائمه.

تسويق القوة الدولية كحل أمني بديل
وفق ما أورده الإعلام العبري، بدأت “الاستعدادات على الأرض” لاستيعاب قوات أجنبية في جنوب غزة، وتحديدًا في المنطقة الواقعة بين رفح وخان يونس، على أن تكون القوات الإندونيسية أول من يصل. ورغم عدم تحديد موعدٍ رسمي، فإن الحديث عن “جاهزية المنطقة” وتجهيز المساكن يشير إلى قرار سياسي مسبق، يُفرض على القطاع دون أي تفويض فلسطيني حقيقي.
هذا الخطاب الأمني لا ينفصل عن استراتيجية إسرائيلية أوسع تقوم على استبدال الاحتلال المباشر بأدوات دولية تقوم بالوظيفة ذاتها: ضبط السكان، إدارة الأمن، والتحكم بتدفق المساعدات، مع الإبقاء على الاحتلال خارج دائرة المساءلة القانونية.
إندونيسيا بين الخطاب السياسي والفخ الدولي
إندونيسيا، التي لطالما عبّرت عن دعمها المعلن لحقوق الفلسطينيين، أعلنت أن مشاركتها في “قوة الاستقرار” إجراء مؤقت يسبق الحلول النهائية، وأن الهدف النهائي هو حل الدولتين. غير أن التجارب السابقة مع قوات دولية في مناطق نزاع تُظهر كيف تُستدرج الدول إلى أدوار تتجاوز النوايا المعلنة، لتتحول إلى غطاء سياسي وأمني لقوى الاحتلال.
الحديث عن “نزع السلاح” وتأمين العمليات الأمنية، كما تروّج الخطة الأمريكية، يثير مخاوف من أن تتحول هذه القوة إلى أداة لنزع حق الفلسطينيين في المقاومة، دون أي ضمانات حقيقية بإنهاء الاحتلال أو تفكيك منظومته العسكرية.
خطة ترامب وإعادة هندسة غزة
تندرج هذه الخطوة ضمن المرحلة الثانية من خطة ترامب المكوّنة من عشرين بندًا، والتي تتضمن هياكل إدارية جديدة لغزة، مثل “مجلس السلام” و“مجلس غزة التنفيذي” و“اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، إلى جانب “قوة الاستقرار الدولية”. هذه الهياكل، التي أُعلن عنها في يناير الماضي، تعكس محاولة لإعادة هندسة الحكم في غزة من الخارج، بعيدًا عن الإرادة الشعبية الفلسطينية.
اللافت أن هذه الخطة تتجاهل جوهر الصراع: الاحتلال ذاته. فبدل محاسبة إسرائيل على جرائمها، يجري التركيز على إدارة ما بعد الدمار، وكأن الإبادة كانت كارثة طبيعية لا جريمة حرب موثّقة.
جرائم الاحتلال: الغائب الحاضر
منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، الذي أنهى حرب إبادة استمرت عامين، تكشّفت أرقام صادمة: أكثر من 72 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، وتدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية. بتقديرات الأمم المتحدة، بلغت كلفة إعادة الإعمار نحو 70 مليار دولار. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شهادة دامغة على إجرام الاحتلال وسياساته الممنهجة في استهداف المدنيين، المستشفيات، المدارس، وشبكات المياه والكهرباء.
ومع ذلك، لا تتضمن الخطة الأمريكية ولا الطرح الإسرائيلي أي حديث جدي عن محاسبة قادة الاحتلال، أو ضمان عدم تكرار الجرائم، أو حتى رفع الحصار بشكل كامل. بل يجري القفز فوق الجريمة إلى إدارة نتائجها.
قوة دولية أم إدارة احتلال بالوكالة؟
الخشية الكبرى أن تتحول “قوة الاستقرار الدولية” إلى نسخة محدثة من إدارة الاحتلال بالوكالة، حيث تقوم قوات أجنبية بضبط الأمن وتأمين المصالح الإسرائيلية، بينما تبقى إسرائيل بعيدة عن خطوط المواجهة والمسؤولية القانونية. هذا النموذج، الذي جُرّب في أماكن أخرى، غالبًا ما فشل في تحقيق سلام عادل، وأسهم في إطالة أمد الصراع.
إن أي وجود دولي في غزة، إن لم يكن مشروطًا بإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية، لن يكون سوى حلقة جديدة في سلسلة محاولات تبييض الجرائم الإسرائيلية، وإعادة إنتاج السيطرة بأدوات ناعمة.
خلاصة المشهد
ما يروّج له الإعلام العبري كخطوة نحو “الاستقرار” يبدو، في جوهره، محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في غزة بما يخدم الاحتلال، لا الضحايا. وبينما تُستدعى قوات أجنبية تحت لافتة السلام، يبقى السؤال المركزي معلقًا: كيف يمكن الحديث عن استقرار حقيقي دون عدالة، وعن سلام دون محاسبة، وعن مستقبل لغزة بينما الجريمة الأصلية –الاحتلال– ما تزال قائمة؟
اقرأ أيضا : الإمارات تحاول أن تخفي فضيحتها بعد إلغاء اتفاقية الطيران مع الجزائر