في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل، أعلنت قيادة حرس الرئاسة في الإمارات العربية المتحدة فتح باب التجنيد للعسكريين ضمن إعلان رسمي وُصف بأنه فرصة للانضمام إلى واحدة من أكثر المؤسسات الأمنية انضباطًا وتميزًا في البلاد. غير أن هذا الإعلان، الذي يبدو في ظاهره إجراءً روتينيًا، جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع تقارير دولية وإعلامية تتحدث عن تورط الإمارات في تجنيد وتدريب مرتزقة ونقلهم إلى مناطق صراع مختلفة في الشرق الأوسط وإفريقيا، الأمر الذي دفع مراقبين للتساؤل: هل هو تجنيد وطني أم غطاء جديد لحروب بالوكالة؟

تجنيد في الظاهر.. وتسليح في الخفاء

بحسب الإعلان المنشور على المنصات الرسمية، دعت قيادة حرس الرئاسة الراغبين في الالتحاق إلى تقديم طلباتهم ضمن شروط “اللياقة والانضباط والاستعداد لخدمة الوطن”. لكن المفارقة التي لفتت أنظار المراقبين أن الإعلان لم يحدد نطاق الخدمة ولا مكان الانتشار العسكري بدقة، ما فتح الباب لتكهنات واسعة بأن الهدف الحقيقي ليس تعزيز الدفاع الداخلي، بل توسيع شبكات التجنيد لصالح عمليات خارجية تشرف عليها أبوظبي منذ سنوات.

تاريخيًا، ارتبط اسم حرس الرئاسة الإماراتي بدور يفوق المهام الأمنية المحلية؛ فقد أنشئ بدعم وإشراف مباشر من جنرالات أجانب أبرزهم القائد الأسترالي السابق مايك هندمارش، الذي قاد وحدات في أفغانستان والعراق، قبل أن يصبح أحد أهم المستشارين العسكريين لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد. ومنذ ذلك الحين، تحول هذا الجهاز إلى نواة الجيش الموازي الذي يُستخدم في المهام القذرة والعمليات السرية في الخارج، من اليمن إلى ليبيا والسودان.

مرتزقة بأزياء رسمية

لم يأتِ توقيت الإعلان بمعزل عن سياق إقليمي مشحون، فخلال الأشهر الماضية كشفت تحقيقات استقصائية عديدة – من بينها تقارير نشرتها الغارديان ووول ستريت جورنال – عن تورط الإمارات في إرسال مقاتلين أجانب إلى مناطق النزاع، خاصة في السودان واليمن، تحت غطاء شركات أمنية أو بعقود “تدريبية” مزيفة. وتشير تلك التقارير إلى أن أبوظبي تستخدم شبكات تجنيد متشعبة تضم خبراء سابقين من جيوش غربية، إلى جانب عناصر من أفريقيا وآسيا، يتم تدريبهم داخل قواعد إماراتية قبل نشرهم في الخارج.

ويتخوف مراقبون من أن يكون إعلان “حرس الرئاسة” واجهة لتجنيد فئات جديدة من المقاتلين، خصوصًا بعد تزايد الضغوط الدولية على أبوظبي بسبب دعمها لقوات الدعم السريع في السودان، واستخدامها أراضيها كمنصة لتسيير عمليات عسكرية غير معلنة. وفي هذا السياق، وصف محللون الإعلان بأنه “نكتة سوداء” في وجه الواقع، حيث كتب أحد المعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي ساخرًا:

“للتقديم يُرجى توفر أكبر قدر من الوحشية وتقديم ورقة خلو طرف من الرأفة والرحمة”.

هذه السخرية، وإن بدت لاذعة، تعكس المزاج الشعبي العام الذي يرى في الإمارات دولة تستثمر في الموت لا التنمية، وتُحوّل المال النفطي إلى رصاص مأجور بدلاً من مشاريع إنسانية أو إصلاحات سياسية.

بين صورة القوة ونزعة السيطرة

تسعى أبوظبي منذ عقدين إلى بناء إمبراطورية أمنية وعسكرية تتجاوز حدودها، مستخدمة خطاب “محاربة الإرهاب” لتبرير تدخلاتها. وقد بات واضحًا أن تلك الاستراتيجية لم تكن دفاعية بقدر ما كانت وسيلة لتصدير النفوذ، مستندة إلى جيوش من المرتزقة تتلقى أوامرها من ضباط أجانب داخل مقرات فارهة في العاصمة.

ويرى خبراء عسكريون أن حرس الرئاسة يمثل الذراع الأكثر ولاءً لمحمد بن زايد، ويُستخدم لضمان أمنه الشخصي وتثبيت سلطته، لكنه أيضًا أصبح أداة للتدخل في نزاعات الآخرين. ففي اليمن، شارك عناصر الحرس في عمليات ميدانية أدت إلى سقوط مئات المدنيين، وفي ليبيا دعموا قوات خليفة حفتر، بينما تشير تقارير أممية إلى أن ضباطًا إماراتيين أداروا غرف عمليات داخل السودان لتوجيه الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع.

انكشاف الرواية الرسمية

رغم محاولات الإمارات تقديم إعلان التجنيد كخطوة وطنية، إلا أن التوقيت والسياق السياسي يضعانها في دائرة الشك. فكيف يمكن لدولة تُتهم بتمويل وتسليح الميليشيات في الخارج أن تدّعي توسيع قواتها من أجل “حماية الوطن”؟ وهل يعقل أن تفتح باب الانضمام لقوات النخبة في الوقت الذي تتزايد فيه التقارير عن إرسال جنود سابقين من كولومبيا والسودان واليمن إلى جبهات الصراع لحسابها؟

الأمر الذي يزيد من الغموض هو غياب الشفافية التامة حول شروط الخدمة ومواقع الانتشار، فضلاً عن منع الصحافة المستقلة من تغطية نشاط حرس الرئاسة أو التحقق من طبيعة تدريباته. وقد ربط بعض النشطاء الإعلان الجديد بمحاولات النظام الإماراتي تلميع صورته بعد الاتهامات المتزايدة له بارتكاب جرائم حرب في السودان وغزة.

خاتمة: تجنيد بلا شرف

الإعلان عن فتح باب التجنيد في “حرس الرئاسة” الإماراتي لا يمكن قراءته بمعزل عن سجل طويل من التدخلات والحروب بالوكالة التي خاضتها أبوظبي تحت ذرائع مختلفة. وبينما ترفع شعار “الدفاع عن الوطن”، تمارس على أرض الواقع سياسة استئجار القتلة وتصدير المرتزقة إلى ساحات الآخرين.

وفي الوقت الذي تكتب فيه وسائل الإعلام الرسمية عن “الانضباط والولاء”، يرى المواطن العربي في المشهد تكرارًا مأساويًا لمشهد الجيوش الخاصة التي لا تعرف حدودًا للرحمة ولا معنى للسيادة.

قد يكون الإعلان مجرد حملة توظيف في نظر الحكومة، لكنه بالنسبة لكثيرين إشارة جديدة إلى أن الإمارات لم تتخلَّ عن مشروعها الأمني العابر للحدود، وأنها ماضية في تحويل “المجندين” إلى أدوات في معارك لا تخصهم، إلا بقدر ما تدرّ على قادتهم مكاسب سياسية ومالية.

وهكذا، بين سطور إعلان يبدو بريئًا، تُكتب فصول جديدة من حروبٍ قذرة تُدار ببطاقات هوية رسمية وشعارات وطنية زائفة.

اقرأ أيضًا :الإمارات مرّرت أسلحة محرمة في الفاشر.. دبلوماسي سوداني يكشف خيوط المؤامرة الخارجية