لم تكتفِ حكومات عربية بالتفرّج على حرب تُزهق فيها أرواح النساء والأطفال في غزة، بل انتقلت خطوة أبعد: تحويل إعادة الإعمار إلى مناقصة سياسية مشروطة تُراعى فيها حساسيات تل أبيب ومصالح واشنطن قبل حقوق الضحايا. هذا هو لبّ ما تكشفه تسريبات بلومبيرغ عن مساعي دونالد ترامب لدفع الخليج لتمويل الإعمار، والعقبات التي تواجهها بسبب تحفظات سعودية وإماراتية تحفظات لا علاقة لها بكرامة الناس تحت الركام بقدر ما تتعلق بـإرضاء “الأمن الإسرائيلي” وتوازنات السلطة.
من «سنُعيد بناء غزة» إلى «اشتروا شروطنا أولًا»
قبل شهر فقط، صرّح مستشار في الديوان الملكي السعودي باستعداد المملكة للمساعدة في الإعمار. اليوم، تنقل بلومبيرغ أن الرياض مقيّدة ماليًا وتُعوّل على قطر والإمارات وربما الكويت ليتحمّلوا «النصيب الأكبر»، وأن المملكة أنهت «تقليد المنح» وتواجه ضغطًا من انخفاض أسعار النفط وتقليص مشروعات ضخمة. الرسالة الفعلية: الشيك لن يُوقَّع بلا مقابل سياسي—لا لعيون الغزاويين بل لحسابات تعقيد التطبيع وضمانات واشنطن.
الإمارات تمضي أبعد: لا أموال كبيرة لغزة قبل نزع سلاح حماس واستبعادها من أي دور، مع «إصلاح كامل» للسلطة الفلسطينية. أي أن شرط الإعمار يصبح تفكيك القوة التي واجهت الاحتلال، وإعادة هندسة البيت الفلسطيني وفق وصفة أمنيّة خارجية. ما يُباع كـ«إعمار» هو عمليًا مشروع ضبطٍ سياسي.
المال العام خيارٌ سياسي: خزائن مفتوحة للكرنفال مغلقة أمام الركام
المفارقة فاضحة: نفس العواصم التي أغدقت مليارات على ترفيهٍ ورياضة وعلاقات عامة، تتذرّع الآن بـ«المقايضة» و«الأولويات» حين يصل الحديث إلى إيواء العائلات المشرّدة وبناء المدارس والمستشفيات. السعودية نفسها تقرّ بعجزٍ يتجاوز 65 مليار دولار، وتقلّص مشاريع، لكنها لم تُبد يومًا تحفظًا مماثلًا عندما تعلق الأمر بعقود ترويجية خاسرة أو فعاليات مؤقتة.
النتيجة السياسية لهذه المفارقة واضحة: القوة الناعمة تُموَّل بسخاء حين تعزّز شرعية الحاكم، أمّا إعمار غزة فيُعلّق على شرط الرضا الأمريكي–الإسرائيلي.
حين يُربط تمويل البناء في غزة بـ«نزع سلاح حماس» واستبعادها، فنحن أمام إعادة تدوير «صفقة قرن» بنسخة إغاثية: أموالٌ عربية تُدفع بشرط تحييد أي قوة مقاومة، وتوليد سلطة فلسطينية «صديقة للأسواق» قابلة للتنسيق الأمني إلى أقصى مدى. هذه ليست خطة إنقاذ، بل هندسة سياسية تُحصر فيها غزة بين فكي الحصار والوصاية، وتُمنح فيها إسرائيل حق الفيتو على كل حجر إسمنت يدخل القطاع.
مساعي ترامب لحشد تمويل خليجي ليست «مبادرة سلام»، بل استثمار انتخابي يحمّل العرب تكلفة إعادة إعمارٍ جرى تدميره غالبيته بأسلحة أمريكية وبغطاء دبلوماسي أمريكي، ثم يُطلب من الدافعين قبول شروط أمنية لصالح إسرائيل. فاتورة مزدوجة: دفع مالي ودفع سياسي. ومن يقبل بهذه المعادلة يكرّس دورًا وظيفيًا لا سيادة فيه: مصرف تمويل لما تقرره تل أبيب وواشنطن.
تهافت «الواقعية» الاقتصادية: لماذا تُصبح الضحية آخر من يُستشار؟
الحجّة الجاهزة تقول: «نريد ضمان عدم تجدد الحرب»؛ الترجمة العملية: ضمان أمن المحتل. إذا كانت «الواقعية» تعني إعمارًا مشروطًا بتجريد الضحية من أي قدرة على الردع، فهذه واقعية استعمارية تُبقي غزة قابلة للهدم كل بضع سنوات، وتحوّل الإغاثة إلى اقتصاد تابع، وتُقنن دورة “الهدم–الإعمار–الهدم” التي راكمت أرباحًا لمقاولين وبنوك أكثر مما راكمت أمانًا لأهل القطاع.
الخليج الرسمي يُتقن اللعب على الحبلين: لغة عاطفية في الإعلام وقائمة شروط خلف الأبواب. لكن الفلسطينيين لا يحتاجون دموع التضامن؛ يحتاجون التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا بأموال غير مشروطة لإعادة البناء، وبغطاء دبلوماسي يحمي الإعمار من الابتزاز الإسرائيلي، لا ورقة تفاوض تضغط بها العواصم على الضحية. أي إعمار يُدار بمنطق «الضبط الأمني» هو إعادة إنتاج للأزمة.
ماذا يعني موقف كهذا لسمعة العواصم؟
أولًا، سقوط الادعاء الأخلاقي: من يتعامل مع ركام غزة كمادة مساومة يفقد أهلية الحديث عن «قيادة عربية».
ثانيًا، فشل سياسي: تحويل الإعمار إلى أداة تطبيع يُفاقم غضب الرأي العام العربي والإسلامي، ويضع الأنظمة في مواجهة مزاج شعبي يرى في غزة خطًا أحمر.
ثالثًا، مقامرة استراتيجية: تمويل بلا كرامة سيُقرأ فلسطينيًا كـرشوة سياسية، وسينقلب إلى عامل عدم استقرار بدل أن يكون جسر ثقة.
ما الذي كان يجب أن يحدث؟
إطار تمويل عربي–إسلامي غير مشروط يخضع لإدارة مهنية فلسطينية مستقلة ورقابة مالية دولية شفافة.
حماية دبلوماسية حقيقية لمسار الإعمار عبر قرارات أممية وآليات مساءلة، بدل تحويله إلى تابع أمني لتل أبيب.
الفصل بين الإغاثة العاجلة والتسويات السياسية: حياة الناس ليست رافعة تفاوض.
إعمارٌ بلا كرامة خرابٌ مؤجّل
اللحظة الفاصلة ليست في من يدفع أكثر، بل في كيف يدفع ولماذا. إعادة إعمار تُبنى على شرط نزع سلاح الضحية واسترضاء الجلاد ليست إعمارًا؛ إنها تجهيزٌ للهدم القادم. ومن يختبئ وراء «الواقعية» وهو يعرض كرامة الفلسطيني للبيع، لا يمارس سياسة، بل يؤدي دور المموّل لدى إسرائيل.
غزة لا تحتاج إلى تبرعات سياسية، بل إلى قرارٍ أخلاقي واضح: أن الإعمار حقٌّ للناجين، لا رشوة لسياسات التطبيع، وأن أموال العرب تُنفق حيث الكرامة، لا حيث يُرفع الإبهام الإسرائيلي بالموافقة.