في الوقت الذي يُحاصر فيه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، تحت نيران القصف الإسرائيلي المستمر، ويُشيّع العالم يوميًا عشرات الشهداء من المدنيين، تواصل أبوظبي تعزيز شبكة تطبيعها الاقتصادي مع الاحتلال الإسرائيلي، عبر تجارة تُدرّ المليارات على خزينة تل أبيب: تجارة الألماس.
هذه التجارة التي لا تبدو بريئة، تتجاوز كونها نشاطاً تجارياً عادياً، لتتحول إلى رافعة مالية مباشرة لوزارة الجيش الإسرائيلي، التي تقود المجازر في غزة وتبني المستوطنات في الضفة الغربية، حيث تشير التقديرات إلى أن قطاع الألماس الإسرائيلي يساهم بمليار دولار سنويًا في ميزانية الجيش.
تطبيع بوجه دموي
كشفت تقارير دولية عن واحدة من أخطر صور التطبيع الاقتصادي المُربح بين الإمارات والاحتلال، وهي تجارة الألماس التي نشطت بشكل غير مسبوق عقب اتفاقية التطبيع في سبتمبر 2020، وارتفعت بنسبة 72٪ للألماس الخام و50٪ للمصقول في أقل من ثلاث سنوات.
وبينما تُغلق الأبواب في وجه الضحايا الفلسطينيين، تُفتَح بوابات دبي أمام الاحتلال، لتمرير شحنات الألماس دون رسوم جمركية، عبر اتفاقيات اقتصادية شاملة تُظهر أن المال يُقدَّم على الدم.
توقيعات بالدم.. واتفاقيات تُغذي القتل
في 17 سبتمبر 2020، بعد يومين فقط من توقيع اتفاق التطبيع، وقّعت بورصة دبي للألماس اتفاقية شراكة مع بورصة الألماس الإسرائيلية في رامات غان. وسرعان ما فتحت كل منهما مكاتبها في الأخرى، لتبدأ حقبة جديدة من التعاون العلني في قطاع طالما تغذّى على شبكة علاقات سرّية سابقة.
وقد كشفت مصادر عبرية أن هذا التعاون بدأ فعلياً منذ أكثر من عقدين، من خلال شخصية محورية: أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لبورصة دبي للألماس، والذي ظلّ يتردد على تل أبيب منذ عام 2001 لتعزيز العلاقات التجارية.
من التهريب إلى الانفتاح المباشر
قبل التطبيع، كانت شركات الألماس الإسرائيلية تعتمد على طرق التفافية عبر أوروبا وآسيا لتوصيل بضائعها إلى الخليج، لكن اليوم، الشحنات تصل مباشرة من إسرائيل إلى دبي وبالعكس، مع تسهيلات جمركية وسرعة لوجستية تُعد هدية مجانية للاقتصاد الإسرائيلي.
وبحلول عام 2022، وصلت تجارة الألماس بين الجانبين إلى 1.75 مليار دولار، بزيادة قدرها 163٪ عن عام 2021. والأخطر أن هذه التجارة مثلت في عام 2023 ما نسبته 27٪ من إجمالي واردات وصادرات إسرائيل في قطاع الألماس.
ألماس في خدمة القتل والاستيطان
الوجه القبيح لهذه التجارة يتجلى في أن جزءًا كبيراً من العائدات يُضخ مباشرة في صناعة السلاح الإسرائيلي. تقول التقارير إن الماس الإماراتي يُستخدم لتصنيع مكونات تدخل في الأسلحة، بينما يُعاد تصدير البقية بعد صقله، ما يجعل أبوظبي بوابة خلفية لتجارة غير أخلاقية مدعومة بالدم الفلسطيني.
من بين الفاعلين البارزين في هذه الشبكة جنرالات إسرائيليون سابقون وعملاء موساد تحولوا إلى أثرياء في تجارة الألماس والسلاح. من بينهم:
بواز مولداوسكي: رئيس بورصة الألماس الإسرائيلية، وضابط سابق في سلاح الجو الإسرائيلي.
ليف ليفيف: قطب الألماس العالمي، وصاحب سجل طويل في دعم الاستيطان وبناء مشاريع غير شرعية في الضفة الغربية.
حملات مقاطعة.. وصمت عربي
بعض المؤسسات الدولية رفضت دعم شركات ليفيف، من بينها اليونيسف وأوكسفام، التي رفضت تبرعاته علنًا. لكن بالمقابل، تفتح الإمارات له الأبواب على مصراعيها، وتمنحه ما لم تمنحه دول أخرى، في ظل صمت رسمي عربي مطبق، وسكوت دولي عن جرائم تُغذّى بالماس.
ألماس مغطى بالدم
ليس مبالغًا القول إن الألماس الذي يُباع في تل أبيب، ويتزين به الأثرياء، ليس إلا حجرًا مغطى بدماء أطفال غزة، ومرآة تعكس حقيقة التطبيع الذي يتخطى التصريحات الدبلوماسية، ليصل إلى شراكة في القتل، وتمويل للدمار، وتواطؤ مكشوف مع المحتل.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الإمارات قد تحولت من مجرد شريك اقتصادي إلى ممّول مباشر لآلة الحرب الصهيونية، عبر بوابة الألماس، في وقت تتساقط فيه القنابل على رؤوس الأبرياء، ويبحث الفلسطينيون عن دواء أو رغيف خبز… بينما تُفتَح ممرات التجارة لتُشحَن صناديق الرفاهية إلى قتلة الأطفال.