السعودية تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها دموية في تاريخها الحديث، بعد أن تحوّل القضاء إلى أداة طيّعة في يد ولي العهد محمد بن سلمان، تُستخدم لا لتحقيق العدالة، بل لترسيخ الخوف وكسر ما تبقّى من إرادة المجتمع. فمنذ مطلع العام، تجاوز عدد الإعدامات في البلاد 283 شخصًا، معظمهم بتهم غامضة -لا دليل عليها- تتعلق بالإرهاب أو خيانة الوطن أو المخدرات، في حين تشير التقديرات إلى أن عام 2025 سيتجاوز العام الماضي الذي شهد 345 إعدامًا، أي بمعدل حالة واحدة كل خمسٍ وعشرين ساعة، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه حملة تصفية سياسية مقنّعة بعباءة القانون.
بين رؤوسٍ تتساقط وأحكامٍ تُنفّذ دون رحمة، تتكشف ملامح منظومة قضائية أُعيد تشكيلها لتخدم رغبة الحاكم في إسكات كل صوتٍ معارض، مهما كان موقعه أو تاريخه أو قربه من السلطة. ففي أغسطس الماضي، أعدمت السلطات الشاب جلال لباد، المنتمي للأقلية الشيعية، رغم أنه كان قاصرًا حين وُجّهت إليه التهم في عام 2011. وفي يونيو، نفّذت حكم الإعدام في تركي الجاسر، المدون المعروف بانتقاده السلمي لسياسات الحكومة.
غير أن أكثر الإعدامات غرابة وصدمة كانت بحق عبد الله الشمري، الدبلوماسي والمستشار السابق في الديوان الملكي، الذي لم يكن معارضًا أو ناشطًا، بل أحد رجال النظام المخلصين. عمل الشمري لسنوات في سفارة السعودية في تركيا، ثم في وزارة الإعلام، وكان يفاخر بعلاقاته مع الملك سلمان ونجله ولي العهد، بل وصف محمد بن سلمان بـ”الأسد” الذي سيجعل السعودية عظيمة. ومع ذلك، أُدرج اسمه في بيان مقتضب لوكالة الأنباء السعودية ضمن مجموعة من سبعة أُعدموا بتهمة “الخيانة والإرهاب”، بعد أقل من ثلاث سنوات على اعتقاله. لا أحد في الداخل يجرؤ على التساؤل: كيف يُعدم رجلٌ من داخل النظام بهذه السرعة ودون محاكمة علنية؟ لكن الإجابة واضحة: لا أحد في السعودية اليوم فوق الخوف.
تُنفّذ هذه الأحكام استنادًا إلى ما يُعرف بـ”أحكام التعزير” (التعزير القضائي)، وهي أحكام فضفاضة تتيح للقضاة إصدار عقوبات تصل إلى الإعدام في قضايا لا ينص عليها الشرع تحديدًا. المحكمة المتخصصة في قضايا الإرهاب — التي أُنشئت عام 2008 — أصبحت الذراع الأهم لهذه المنظومة، إذ تُصدر أحكامها في جلسات مغلقة، وغالبًا دون محامين، مستخدمة “قانون مكافحة الإرهاب” كأداة لتجريم الرأي والمعارضة السلمية. منظمة العفو الدولية وصفت هذه المحكمة بأنها “غطاء قانوني زائف لقمع الدولة”، فيما أكد ناشطون سعوديون أن معظم أحكامها تُبنى على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب.
الناشط الحقوقي عبد الله العودة، نجل الداعية المعتقل سلمان العودة، وصف أحكام التعزير بأنها “انحراف فقهي مقصود”، مؤكدًا أن ولي العهد استبدل الاغتيالات السرية — كما في قضية جمال خاشقجي — بمشانق تحمل ختم القضاء. العودة قال إن النظام يستخدم فقهًا “شاذًا” ومرفوضًا حتى في المدرسة الفقهية التي يتبناها رسميًا، ليوسّع تعريف “الخيانة” و”الإساءة إلى الدولة” ليشمل كل من ينتقد، أو يصمت في الوقت الخطأ، أو حتى يثير الشك في الولاء.
وبحسب تحليل صادر عن المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن أحكام التعزير كانت وراء 40% من الإعدامات المنفذة عام 2024، وهو ما يكشف مدى التلاعب بالقانون لتبرير سفك الدماء. الأخطر من ذلك أن وعود النظام بوقف إعدام القاصرين، التي روّجت لها “هيئة حقوق الإنسان” الحكومية عام 2023، لم تكن سوى كذبة جديدة. فمنذ ذلك التاريخ، أُعدم قاصران من الطائفة الشيعية استنادًا إلى الأحكام نفسها، أحدهما عبد الله الدرازي الذي صدّقت المحكمة العليا حكم موته رغم كونه حدثًا وقت الاتهام.
التقارير الحقوقية تشير إلى أن 43% من ضحايا الإعدامات السياسية في عهد الملك سلمان ونجله ينتمون إلى الأقلية الشيعية، رغم أنهم لا يشكلون أكثر من 15% من السكان. كما أن عشرات من أبناء قبيلة الحويطات يواجهون أحكامًا بالإعدام بسبب رفضهم التهجير القسري من أراضيهم لصالح مشروع نيوم. وهكذا تتّحد السيوف القانونية لتضرب كل من يختلف مع ولي العهد، سواء كان شيعيًا أو سنيًا، سعوديًا أو أجنبيًا.
الضحايا ليسوا سعوديين فقط. فالأجانب يشكّلون نحو 44% من السكان، وغالبيتهم من العمال الفقراء من إثيوبيا، الصومال، ومصر، وهؤلاء يُعدَمون بوتيرة متزايدة بتهم تتعلق بالمخدرات، رغم إعلان “تجميد الإعدامات” في مثل هذه القضايا قبل أعوام. تقرير العفو الدولية الصادر في يوليو الماضي أكد أن السعودية “نفذت أكثر من 262 حكمًا بالإعدام في قضايا مخدرات منذ رفع التجميد في نوفمبر 2022″، ما يبرهن أن آلة الموت لا تتوقف، بل تتغذى على الكذب الرسمي والتواطؤ الدولي.
وفي الوقت الذي تتحول فيه السجون إلى غرف انتظار للموت، تواصل السلطات تلميع وجهها عبر مشاهد الترفيه والانفتاح المصطنع. فبينما تُزهق أرواح الأبرياء في صمت، كانت الرياض تستضيف “مهرجان الكوميديا” الذي ضم عشرات من نجوم الكوميديا الأمريكيين، عُرض على بعضهم ما يصل إلى 1.6 مليون دولار مقابل عرض واحد. الكوميديا تملأ المسارح، والمشانق تملأ السجون — هذا هو التناقض الذي يُلخّص السعودية الجديدة في عهد ابن سلمان: دولة تحاول إضحاك العالم بينما تُسكت أنفاس شعبها.
الناشطة الحقوقية بيسان فقيه من منظمة العفو الدولية قالت إن غياب الرقابة الدولية يسمح للنظام بالتمادي، مضيفة أن “عائلات الضحايا من المهاجرين لا تملك المال أو النفوذ لتعرف حتى إن كان أبناؤها ما زالوا على قيد الحياة”. أما المحامي طه الحاجي المقيم في ألمانيا فأكد أن العدد الحقيقي للمحكومين بالإعدام يتجاوز بكثير ما يُعلن رسميًا، لأن الخوف يمنع كثيرًا من العائلات من التبليغ أو التواصل مع المنظمات الحقوقية.
هكذا تُدار السعودية اليوم: قضاء مسيّس، ومحاكمات صورية، وإعدامات تُستخدم لإرسال رسالة واحدة — أن حياة الإنسان لا تساوي شيئًا أمام بقاء السلطة. فبينما ينجو القتلة الحقيقيون من المحاسبة، ويُكرّم الجلادون في المهرجانات، يستمر النظام في تقديم نفسه للعالم على أنه “إصلاحي”، متحدثًا عن “رؤية 2030” التي تموّل بالدماء والدموع.
المأساة لا تقف عند حدود السجون والمشانق، بل تتسع لتشمل صمت الغرب الذي يواصل تزويد النظام بالسلاح وتوقيع العقود، متجاهلًا آلاف الأرواح التي تُزهق تحت لافتة “القانون”. بهذا الصمت، يصبح كل من يصافح النظام شريكًا في جرائمه، وكل صفقة تُوقّع معه هي توقيع جديد على شهادة إعدام إنسانٍ لم يرتكب ذنبًا سوى أنه وُلد في مملكةٍ يحكمها الخوف.