كشف تقرير نادر لشبكة NBC News عن حجم غير مسبوق من الأضرار التي لحقت بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وبقية الأجهزة الاستخبارية خلال الحرب مع إيران، بعدما استهدفت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية مواقع ومعدات مراقبة وتجسس أميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

وبحسب أربعة مصادر مطلعة تحدثت للشبكة، فإن حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع الاستخبارية الأميركية يتجاوز من حيث الاتساع أي دمار سابق تعرضت له وكالات الاستخبارات الأميركية، فيما يُتوقع أن تبلغ كلفة إصلاح المنشآت والمعدات المتضررة مليارات الدولارات.

وقالت المصادر إن الضرر لم يقتصر على القواعد العسكرية، بل طال مواقع وأجهزة استخبارية حساسة، من بينها معدات تُستخدم بصورة مشتركة بين القوات المسلحة ووكالات الاستخبارات في اعتراض الاتصالات ومراقبة الخصوم.

هجمات غير مسبوقة على الـCIA منذ تأسيسها

يشير التقرير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية، منذ تأسيسها عام 1947، لم تواجه علنًا نمطًا مشابهًا من الهجمات الجوية المتكررة والمستمرة على منشآتها ومعداتها.

فحتى خلال حروب كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان، لم يكن خصوم واشنطن يملكون القدرة على تنفيذ ضربات منتظمة بالصواريخ والمسيّرات ضد البنية العسكرية والاستخبارية الأميركية بهذا الاتساع.

واستعاد التقرير واقعة نادرة تعود إلى عام 1968، عندما حاولت فيتنام الشمالية مهاجمة موقع راداري أميركي في لاوس بطائرات بدائية ثنائية السطح، قبل أن يُدمَّر الموقع لاحقًا بهجوم بري. لكن ما يجري حاليًا يختلف في الحجم والتكرار والقدرة على الاستهداف.

ضربة لمحطة CIA في الرياض

ومن أبرز ما كشفه التقرير أن مسيّرات إيرانية أصابت في مارس محطة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية داخل العاصمة السعودية الرياض، وفق مسؤول أميركي ومسؤول خليجي تحدثا سابقًا للشبكة.

كما تعرض موقع استخباري أميركي في محافظة السليمانية شرقي العراق لضربة خلال مرحلة مبكرة من الحرب، بحسب مصدرين مطلعين.

وتحدثت المصادر عن إصابة مواقع حساسة أخرى في أنحاء المنطقة، بما في ذلك رادارات وأجهزة مراقبة مشتركة بين الجيش الأميركي والأجهزة الاستخبارية.

أكثر من ألفي هجوم إيراني

وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، نفذت إيران خلال الحرب أكثر من ألفي هجوم بالصواريخ والمسيّرات وضربات جوية، واستهدفت ما لا يقل عن 20 موقعًا حكوميًا أميركيًا في ثماني دول.

وحتى شهر مايو/أيار، كانت الهجمات الإيرانية قد ألحقت الضرر أو دمرت أكثر من 42 طائرة عسكرية أميركية، بحسب التقرير.

وهذه الأرقام توضح أن ما تواجهه واشنطن ليس مجرد استنزاف لوجستي، بل ضغط مباشر على منظومة الانتشار العسكري والاستخباري الأميركي في المنطقة.

الكونغرس يبحث عن مليارات لإعادة البناء

دفعت الخسائر الكونغرس إلى بحث توفير تمويل جديد لإعادة تأهيل المنشآت والمعدات المتضررة.

كما بدأ مسؤولون في إعادة تقييم كيفية توزيع العاملين والموارد الاستخبارية في الشرق الأوسط، في ظل بيئة باتت أكثر خطورة بسبب قدرة إيران على استهداف مواقع كان يُنظر إليها سابقًا على أنها محمية نسبيًا.

ويطرح التقرير تساؤلات محرجة بشأن استعداد البنتاغون ووكالات الاستخبارات ووزارة الخارجية، ولماذا لم تكن المنشآت الأميركية مجهزة بصورة أفضل لمواجهة هذا الحجم من الصواريخ والمسيّرات.

واشنطن تحجب صور القواعد المتضررة

في محاولة لتقليص المعلومات المتاحة علنًا عن حجم الدمار، طلبت إدارة ترامب من شركات أقمار صناعية تجارية، بينها Planet Labs، حجب صور بعض القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة عن الجمهور.

وأدى ذلك إلى صعوبة أكبر في تقييم الحجم الحقيقي للخسائر من خلال المصادر المفتوحة.

وهذا بحد ذاته يكشف حساسية الملف بالنسبة إلى واشنطن، خصوصًا مع محاولة الإدارة الحفاظ على صورة التفوق العسكري والاستخباري الأميركي أمام الحلفاء والخصوم.

روسيا والصين تساعدان طهران بالمعلومات

بحسب التقرير، لم تعتمد إيران على قدراتها الذاتية فقط.

فقد حصلت خلال الصراع على صور مراقبة فضائية من روسيا والصين، إضافة إلى معلومات استخبارية إلكترونية روسية، ساعدتها في تحديد مواقع القوات والمنشآت الأميركية واستهدافها بدقة أكبر.

وهذا يضيف بعدًا آخر إلى الحرب: ما يجري لم يعد مواجهة أميركية–إيرانية منفصلة، بل جزء من صراع أوسع على المعلومات والاستطلاع والقدرة على كشف البنية العسكرية الأميركية.

ضربة لصورة الحماية الأميركية

تكمن خطورة هذه الخسائر في أنها لا تتعلق فقط بالمليارات.

فالولايات المتحدة بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها في الشرق الأوسط على قدرتها على حماية قواعدها وشركائها، وعلى امتلاك تفوق استخباري وتقني يسمح لها بالعمل من مواقع منتشرة في عدة دول من دون تعرضها المستمر للخطر.

لكن وصول الصواريخ والمسيّرات إلى مواقع استخبارية داخل السعودية والعراق ومناطق أخرى يفرض واقعًا جديدًا: حتى المنشآت السرية والحساسة لم تعد بعيدة عن نطاق الاستهداف.

وهذا ما يجعل التقرير محرجًا سياسيًا وعسكريًا للإدارة الأميركية، لأنه يكشف أن الحرب لم تستهلك فقط الصواريخ والطائرات، بل ألحقت ضررًا مباشرًا بالبنية التي تعتمد عليها واشنطن لجمع المعلومات ومراقبة المنطقة.

الخلاصة أن الحرب الإيرانية لم تضرب قواعد الجيش الأميركي فقط، بل وصلت إلى عيون وآذان واشنطن نفسها في الشرق الأوسط. ومع خسائر تُقدّر بمليارات الدولارات، وإصابة مواقع للـCIA ومعدات مراقبة حساسة، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام سؤال لم تواجهه بهذه الحدة منذ عقود: كيف تحافظ على شبكة استخبارات واسعة في منطقة أصبح خصمها قادرًا على رؤيتها والوصول إليها وضربها؟