بقلم: محمود المليجي

شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية واحدة من أكثر محطاتها خطورة في العقود الأخيرة، حين انفجرت “حرب الـ12 يوما” في يونيو/ حزيران الماضي، لتترك بصمتها العميقة على البنية العسكرية والأمنية والسياسية في البلاد.

فقد شكّلت هذه المواجهة القصيرة زمنياً، القاسية مضموناً، اختباراً غير مسبوق لقدرات الدولة على الصمود في مواجهة تهديدات وجودية، وأبرزت في الوقت ذاته فجوات قاتلة في آليات القيادة، وطرق اتخاذ القرار، والجاهزية العملياتية.

ومع أن ألسنة اللهب انحسرت مؤقتاً، فإن القيادة الإيرانية تعاملت مع الحدث بوصفه إنذاراً استراتيجياً لا يمكن تجاهله. فجاءت الاستجابة في صورة تغييرات هيكلية وشخصية واسعة، امتدت من الصفوف العليا للقيادة العسكرية، وصولاً إلى إعادة النظر في هياكل صنع القرار الدفاعي، تمهيداً لمرحلة تراها طهران أكثر خطورة، وربما أكثر حسمًا، في صراعها المفتوح مع إسرائيل وحلفائها.

صعود قيادات جديدة بعد الضربة الأولى

في الساعات الأولى من الحرب، لجأ الكيان الإسرائيلي إلى عنصر المباغتة، مستفيداً من مزيج متطور من الرصد بالأقمار الصناعية، والتنصّت، والاختراقات البشرية، والتحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي. والنتيجة كانت موجعة: سقوط عدد من أبرز القادة العسكريين الإيرانيين، وفي مقدمتهم رئيس هيئة الأركان محمد باقري، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، وقائد مقر خاتم الأنبياء غلام علي رشيد، وقائد القوة الجوفضائية أمير علي حاجي زاده.

القصف الذي طال اجتماعاً سرياً لكبار قادة القوة الجوفضائية في أحد الملاجئ تحت الأرض – بحسب القناة 12 الإسرائيلية – كشف حجم الاختراق، وأجبر القيادة الإيرانية على سلسلة تعيينات عاجلة. أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي أوامر بتعيين عبدالرحيم موسوي، وعلي شادماني، ومحمد باكبور، وأمير حاتمي، ومجيد موسوي في مواقع قيادية جديدة. لكن حتى هذه الترتيبات لم تسلم من الهجمات، إذ اغتيل علي شادماني بعد أيام من توليه منصبه، ما عمّق الإحساس بضرورة إعادة صياغة منظومة الحماية والأمن الشخصي للقيادات.

إحياء المجلس الأعلى للدفاع

أحد أبرز التحولات المؤسسية جاء بإحياء المجلس الأعلى للدفاع، الذي تأسس أول مرة عام 1980 بعد عملية “مخلب النسر” الأمريكية الفاشلة في طبس. ومع التطورات الأخيرة، نص الدستور الإيراني – بموجب المادة 176 – على إعادة تشكيل هذا المجلس ليصبح أداة مركزية لتنسيق السياسة الدفاعية.

يتولى الرئيس مسعود بزشكيان رئاسة المجلس، بعضوية رئيس مجلس الشورى، ورئيس السلطة القضائية، وممثلين عن المرشد، ووزير الاستخبارات، ورئيس الأركان، وقادة الجيش والحرس الثوري، وقائد مقر خاتم الأنبياء.

الخطوة، كما فسّرها موقع “نور نيوز” المقرب من علي شمخاني، جاءت استجابة لـ“التهديدات المعقدة” التي تواجه إيران، بهدف تعزيز سرعة القرار وتوحيد الجهود الدفاعية. لكن تحدياً تنظيمياً يلوح في الأفق: كيف سيتداخل عمل المجلس مع صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي؟ لتفادي تضارب القرارات، تقرر أن يخضع المجلس الأعلى للدفاع كمكوّن فرعي للمجلس الأعلى للأمن القومي، على أن تمر قراراته عبر الأخير وصولاً إلى المرشد للمصادقة النهائية.

عودة علي لاريجاني إلى قلب السلطة

ربما لم يتوقع كثيرون عودة علي لاريجاني بهذه السرعة إلى واجهة المشهد. الرجل الذي مُنع من خوض الانتخابات الرئاسية بقرار من مجلس صيانة الدستور، بدا وكأنه خرج من معادلة الحكم. لكن اندلاع الحرب، وتنامي الحاجة إلى شخصية ذات خبرة تفاوضية وقدرة على إدارة الملفات الحساسة، فتح الباب أمامه مجدداً.

استئناف المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بوساطة عمانية، ثم التطورات العسكرية، جعلا من لاريجاني المرشح الأوفر حظاً لتولي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي. فخبرته في إدارة الاتفاق النووي، وترتيبات التعاون الاستراتيجي مع الصين، تمنحه ثقلاً خاصاً في مرحلة تتطلب مزيجاً من الدبلوماسية والبراغماتية. وإذا ما تم تثبيته، فسيكون ذلك إشارة إلى أن النظام يعوّل عليه لإدارة التوازن بين التصعيد العسكري والانفتاح الدبلوماسي.

معركة “الوجود” المقبلة

كل هذه التغييرات – من التعيينات العسكرية إلى إعادة هيكلة المجالس الأمنية – تشير إلى أن إيران لا ترى في حرب الـ12 يوماً حدثاً معزولاً، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع. القيادة في طهران تستعد لجولة قد تكون أطول وأشد، ترى فيها مواجهة مباشرة مع إسرائيل احتمالاً قائماً، بل وربما حتمياً، في ضوء التوترات الإقليمية.

حلفاء إيران التقليديون، مثل الصين وروسيا، يظهرون قدراً أكبر من التفاؤل بشأن قدرتها على الصمود والردع، فيما تجد بعض دول الخليج مساحة أكبر للوساطة، سعياً لتجنب انفجار مواجهة شاملة بين طهران وواشنطن قد تشعل المنطقة.

لكن داخل إيران، تبدو الرسالة أوضح: زمن العمل الروتيني انتهى. الصراع مع الكيان الصهيوني دخل مرحلة “معركة الوجود”، حيث لن يكون مجال الخطأ متاحاً، وحيث الأمن القومي بات يُدار بمنطق الحرب الشاملة، حتى وإن كان الميدان صامتاً مؤقتاً.

وبينما تراقب المنطقة والعالم، تتشكل في طهران معادلة جديدة، عنوانها أن “التهديد الوجودي” يقتضي قيادة جديدة، وهياكل قرار أكثر إحكاماً، وتحالفات خارجية مدروسة. فهل ستكون هذه الاستعدادات كافية عندما تدق ساعة المواجهة المقبلة؟

اقرأ أيضًا : ستارمر يلوّح بالاعتراف بدولة فلسطين الشهر المقبل: تحوّل بريطاني يُربك الاحتلال ويضعف روايته