أعلن الحرس الثوري الإيراني، الأحد، الاستيلاء على غواصة أميركية مسيّرة متطورة في مضيق هرمز، قال إنها كانت تنفذ «أنشطة تجسسية»، في ثاني واقعة من نوعها تعلن عنها طهران خلال سبتمبر/أيلول الجاري، وسط تصاعد المواجهة العسكرية والبحرية بين إيران والولايات المتحدة.
وقالت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري إن عملية الاستيلاء على الغواصة جاءت بعد «عملية معقدة تعتمد على الرصد الاستخباري والحرب الإلكترونية»، موضحة أن الغواصة من طراز «ريموس 600» (REMUS 600)، وهي مركبة ذاتية التشغيل غير مأهولة تستخدم في تنفيذ مهام متعددة تحت سطح البحر.
وبث التلفزيون الإيراني مشاهد قال إنها للغواصة التي جرى الاستيلاء عليها، فيما أكد الحرس الثوري أنها أصبحت بحوزة خبرائه، الذين يعملون على استخراج البيانات المخزنة داخلها وتحليلها. ولم يصدر تعليق أميركي فوري يؤكد أو ينفي الرواية الإيرانية بشأن الواقعة.
وتستخدم منظومة «ريموس 600» في مهام تشمل الاستطلاع تحت الماء، ومسح قاع البحر، والكشف عن الألغام وتصنيفها، وجمع البيانات البيئية والبحث عن أهداف تحت سطح البحر، ويمكنها العمل على أعماق تصل إلى نحو 600 متر وتنفيذ جانب كبير من مهامها بصورة مستقلة.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، فإن البيانات التي يمكن استخراجها من المركبة، ومن بينها مسارات الحركة وبيانات السونار وإعدادات الملاحة والبرمجيات، قد توفر معلومات عن أساليب تشغيل المركبات الأميركية غير المأهولة وطبيعة المهام التي تنفذها في المنطقة. وهذه تقديرات إيرانية، ولم تعلن واشنطن طبيعة المهمة التي كانت المركبة تؤديها أو حتى تأكيد فقدانها حتى الآن.
ثاني غواصة خلال أسابيع
ويكتسب الإعلان أهمية إضافية باعتباره ثاني حادث من هذا النوع تعلن عنه إيران خلال أقل من ثلاثة أسابيع. ففي 8 سبتمبر/أيلول، أعلن الحرس الثوري السيطرة على غواصة أميركية أخرى غير مأهولة.
وعقب الواقعة الأولى، قال الجيش الأميركي إن إحدى مركباته البحرية المسيّرة تعرضت لـ«خلل»، لكنه لم يؤكد أن القوات الإيرانية استولت عليها.
ويأتي الإعلان الجديد بعد أيام من إعلان الحرس الثوري أيضاً إسقاط طائرة أميركية مسيّرة في أجواء مضيق هرمز، في مؤشر على تحول المركبات الجوية والبحرية غير المأهولة إلى أحد ميادين المواجهة الاستخبارية والعسكرية المباشرة بين طهران وواشنطن.
هرمز في قلب المواجهة
وتأتي التطورات بينما يظل مضيق هرمز أحد أخطر ساحات الصراع الجاري. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، فرضت طهران قيوداً مشددة على الملاحة عبر المضيق، بينما فرضت الولايات المتحدة في المقابل حصاراً على الموانئ الإيرانية.
وأكد الحرس الثوري في بيانه الأخير أن مضيق هرمز لا يزال «مغلقاً»، وقال إنه يتصدى لما وصفه بالتحركات الخطرة ومحاولات المرور عبر مسارات غير قانونية.
وتتمسك طهران بعدم إعادة فتح المضيق بصورة كاملة قبل الاستجابة لشروط طرحتها على الولايات المتحدة، فيما ترفض واشنطن القيود الإيرانية على الملاحة. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، أن بلاده لن تتخلى عن شروطها السبعة المتعلقة بإعادة فتح هرمز.
وتظهر بيانات الشحن حجم التأثير الذي أحدثته المواجهة؛ إذ تراجعت حركة سفن الحاويات عبر المضيق بنسبة 94% خلال الحرب مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات نقلتها «فاينانشال تايمز»، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الشحن والتأمين واضطرت شركات إلى البحث عن طرق بديلة.
مواجهة استخبارية تحت سطح البحر
وتشير واقعة «ريموس 600»، إذا تأكدت الرواية الإيرانية، إلى امتداد المواجهة إلى ما تحت سطح البحر، بعدما تركز جانب كبير من الصراع خلال الأشهر الماضية على الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن وناقلات النفط.
كما تحمل المركبات غير المأهولة أهمية خاصة في بيئة مثل مضيق هرمز، حيث يمكن استخدامها لجمع المعلومات ومسح قاع البحر ورصد الألغام والتحركات البحرية من دون تعريض أطقم بشرية مباشرة للخطر.
وبينما تقدم طهران الاستيلاء على الغواصة باعتباره دليلاً على قدرتها على مراقبة المضيق وكشف الأنشطة الأميركية فيه، يبقى الجانب الأساسي من الرواية، بما في ذلك وصف المهمة بأنها «تجسسية»، ادعاءً إيرانياً لم تؤكده الولايات المتحدة حتى الآن.
ويأتي الحادث في وقت لا تزال فيه احتمالات عودة التصعيد العسكري الواسع قائمة، رغم الجهود الدبلوماسية الجارية. ومع تحول هرمز إلى ساحة تتداخل فيها الحرب الإلكترونية والمسيّرات الجوية والبحرية والعمليات التقليدية، باتت المنافسة على جمع المعلومات والسيطرة على الممر الاستراتيجي جزءاً أساسياً من المواجهة الأميركية الإيرانية.