نشرت مجلة «إيكونوميست» البريطانية تقريراً حول زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة إلى العاصمة السورية دمشق، والتي استمرت يومين وانتهت في 14 أيلول/سبتمبر، معتبرة إياها “ليست زيارة دبلوماسية عادية”، بل “جولة نصر تمهد الطريق لجولة نصر أكبر”، وتحضيراً لزيارة مرتقبة سيقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قريباً إلى دمشق بعد زوال نظام بشار الأسد وسيطرة القوى المناهضة له نهاية عام 2024.

وأوضح التقرير أن الزيارة أثارت استياءً وغضباً لدى الحكومة الإسرائيلية، التي تشعر بقلق بالغ تجاه النفوذ التركي المتنامي في سوريا، لاسيما بعد تصريحات فيدان التي أكد فيها أن «إسرائيل هي التهديد الأكبر الذي يمكن أن يزعزع استقرار سوريا في الوقت الراهن». ورأت المجلة أن إمكانية تأخر زيارة أردوغان لدمشق تعود إلى رغبة القيادة السورية في التأكيد على استقلالية قرارها، أو بانتظار إتمام الاتفاق المبرم الشهر الماضي بشأن حل القوات الكردية (سوريا الديمقراطية) ودمجها كاملاً في الجيش السوري، وهو ما كان يشكل أولوية أمنية لأنقرة المناهضة للتنظيمات الانفصالية.

وربطت التقرير بين توقيت الزيارة وتصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب، مشيراً إلى قيام طيران الاحتلال في 18 آب/أغسطس بقصف قاعدة “أبو الظهور” الجوية شمال سوريا، واتهام إسرائيل للجانب السوري بكسر “الوضع الراهن” والسماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة. ورغم عدم وجود أدلة ميدانية على توسيع الوجود العسكري التركي المباشر، تُصر الاستخبارات الإسرائيلية على وجود خطط لنشر بطاريات دفاع جوي مضادة للطائرات قد تعيق الغارات الإسرائيلية، ما دفع مسؤولي الاحتلال للادعاء بفرض “خط أحمر”.

كما كشفت المجلة عن وجود انقسام داخل المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية؛ إذ يرى الفريق الصقوري أن النفوذ التركي يمثل تهديداً متزايداً بسبب مواقف أردوغان وحزبه والتنسيق الأمني والعسكري مع باكستان والسعودية والدور التركي في مفاوضات غزة، ويستخدمون ذلك لتبرير استمرار الاحتلال في فرض “المنطقة العازلة” داخل الأراضي السورية. وفي المقابل، ترى جهات أخرى في أجهزة الاحتلال أن أنقرة تسعى لضمان استقرار سوريا ومنع موجات تجريف جديدة للاجئين بعد عقد من الحرب، مؤكدة ضرورة تسوية الخلافات مع تركيا باعتبارها عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحليفاً للولايات المتحدة.

تكشف تحليلات «إيكونوميست» عن حالة الهلع والارباك التي تعيشها المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل أمام تحولات خريطة النفوذ في سوريا وإعادة بناء المؤسسة العسكرية الوطنية السورية برعاية وتنسيق إقليمي.

فالاستهداف الإسرائيلي لقاعدة أبو الظهور، والتذرع الدائم بـ “الخطر التركي”، لا يخرجانه عن سياق المحاولات الإسرائيلية المكشوفة لإبقاء سوريا ساحة مستباحة وتبرير الاقتطاع الجغرافي للمنطقة العازلة التي سيطر عليها الاحتلال في نهاية 2024. كما أثبت التنسيق التركي-السوري الداعم لوحدة الأراضي السورية وإدماج المكونات العسكرية أن أوراق الضغط والتقسيم التي راهنت عليها تل أبيب لم تعد صالحة للاستخدام، وأن توازن القوى الإقليمي بات يفرض خيارات جديدة تتصدى للغطرسة الإسرائيلية في المنطقة.