في خطوة تعكس إصرار النظام المصري على ممارسة الابتزاز السياسي والتعنت الدبلوماسي ضد المتغيرات السياسية في المنطقة، وضعت وزارة الخارجية المصرية جداراً من العراقيل أمام التمثيل الدبلوماسي السوري الجديد في القاهرة. وكشفت مصادر دبلوماسية مطلعة عن رفض السلطات المصرية قبول ترشيح وزارة الخارجية السورية لمحمد طه الأحمد (مدير إدارة الشؤون العربية) لشغل منصب قائم بأعمال السفارة في القاهرة منذ عدة أشهر، في خطوة تكشف عن محاولات مصرية حثيثة لفرض وصاية أمنية على خيارات دمشق السيادية.

ولم يتوقف التعنت المصري عند رفض ترشيح رئيس البعثة، بل تجاوزه إلى فرض “حصار تأشيرات” شامل؛ حيث رفضت القاهرة منح تأشيرات دخول لجميع الدبلوماسيين الشباب الذين جرى تعيينهم رسمياً في السفارة السورية هناك. وتستغل الخارجية المصرية بنود اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية بشكل تعسفي للالتفاف على الأعراف الدولية؛ فبينما لا تشترط الاتفاقيات موافقة الدولة المضيفة على تعيين صغار الدبلوماسيين، وظفت القاهرة سلاح منع التأشيرات كرسالة عدائية واضحة تهدف إلى خنق الإدارة السورية الجديدة، ومنعها من تطبيع علاقاتها الخارجية أو إعادة تفعيل بعثاتها الدبلوماسية الـ 54 حول العالم.

ملف “المقاتلين الأجانب”.. فزاعة أمنية لابتزاز دمشق

وتكشف القراءة التحليلية للموقف المصري عن رغبة القاهرة في تجميد قنوات الاتصال التي بدأت بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة مطلع مايو الماضي. وتسعى السلطات المصرية لتوظيف المخاوف الأمنية كـ “فزاعة” لابتزاز دمشق، متمسكة بملفات معقدة في مقدمتها قضية المقاتلين الأجانب وحاملي الجنسية المصرية المتواجدين في سورية. هذا الاشتراط البوليسي المسبق يؤكد أن القاهرة ترفض التعامل مع الواقع السوري الجديد كدولة مستقلة، بل كملف أمني خاضع للمساومات، متجاهلة حقيقة أن الإدارة الجديدة قامت بحل كافة الفصائل المسلحة منذ مطلع عام 2025 في إطار ترتيب بيت الداخلي.

وفي سياق هذا التضييق الممنهج، تعمدت الإدارة المصرية إبقاء الدبلوماسيين التابعين للنظام السابق داخل السفارة لتفخيخ العمل الدبلوماسي من الداخل، مستغلة في الوقت ذاته الفراغ الدستوري الناتج عن الطابع “المؤقت” لرئاسة أحمد الشرع، والذي يقيد صلاحياته في إصدار أوراق اعتماد السفراء كاملة المعالم. وتثبت هذه التحركات أن السياسة الخارجية المصرية، بوقوفها في مربع الحظر والمقاطعة إلى جانب عواصم أخرى كالرياض التي خفضت التمثيل السوري لمرتبة قائم بالأعمال، باتت تلعب دوراً معطلاً لحلفاء الأمس، وتسهم في تعميق العزلة الدبلوماسية لدمشق عبر آليات بيروقراطية مسمومة تسحق روح التعاون العربي.