شهدت الساحة السورية تطورًا غير مسبوق مع إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي عن اتفاق يدمج القوى الكردية ضمن جيش الدولة. 

هذا الاتفاق، الذي وصفه محللون بالتحول التاريخي، يحمل في طياته أبعادًا سياسية وعسكرية وأمنية معقدة، ويفتح الباب أمام احتمالات عدة تتراوح بين ترسيخ الاستقرار أو إشعال توترات جديدة.

الأبعاد الأمنية للاتفاق

يمثل الاتفاق تحوّلًا أمنيًا جذريًا يعيد تشكيل التوازنات الداخلية والخارجية لسوريا،  فمن جهة، يعزز دمج “قسد” في الجيش السوري قدرات الدولة العسكرية عبر استقطاب قوة مدربة ومجهزة بدعم أميركي سابق. 

هذا التطور قد يسهم في رفع جاهزية الجيش السوري لمواجهة التحديات الأمنية، سواء في الداخل ضد جيوب التمرد أو على الحدود لمواجهة المخاطر المحتملة من الجوار.

لكن في المقابل، فإن هذا الدمج يفرض تحديات أمنية لا يمكن تجاهلها، أبرزها كيفية استيعاب الأيديولوجية والتكوين العسكري لقوات “قسد” ضمن هيكل الجيش السوري التقليدي، خاصة أن “قسد” كانت تعتمد لسنوات على نموذج عسكري غير نظامي وتكتيكات حرب العصابات. 

كما أن وجود عناصر داخل “قسد” لهم ارتباطات بحزب العمال الكردستاني قد يثير حساسية لدى تركيا، مما قد يؤدي إلى توترات جديدة مع أنقرة التي تراقب الوضع عن كثب.

البنود الأساسية للاتفاق

وفقًا لما تم الإعلان عنه، يتضمن الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية البنود التالية:

1- ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.

2- المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.

3- وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.

4- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.

5- ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من الدولة السورية. 

6- دعم الدولة السورية في مكافحتها فلول الأسد (نظام بشار الأسد) وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها. 

7- رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري.

8- تسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

الانعكاسات الإقليمية والدولية

من الناحية الإقليمية، يفرض الاتفاق تغيرات في الحسابات الجيوسياسية للمنطقة. إذ قد تراه تركيا تهديدًا لأمنها القومي إذا لم تتأكد من استبعاد العناصر المناهضة لها من هيكلية الدولة السورية الجديدة. 

كما أن الولايات المتحدة، التي دعمت “قسد” لسنوات، قد تعتبر الاتفاق مؤشرًا على تراجع نفوذها في سوريا، ما قد يدفعها لإعادة تقييم استراتيجيتها هناك. 

في المقابل، قد ترحب روسيا وإيران بهذه الخطوة باعتبارها تعزز سيطرة الدولة السورية وتضعف النفوذ الأميركي في شمال شرق البلاد.

على المستوى الداخلي، يعزز الاتفاق قدرة دمشق على استعادة موارد استراتيجية كانت تحت سيطرة “قسد”، مثل النفط والغاز، ما سيحسن الوضع الاقتصادي للدولة ويمنحها نفوذًا أكبر في المفاوضات المستقبلية.

كما أن قبول الأكراد بالاندماج في الدولة السورية يمثل نجاحًا سياسيًا لحكومة الشرع، التي استطاعت تحقيق اختراق مهم في ملف شائك.

دوافع وقبول الاتفاق

يبدو أن الاتفاق لم يكن وليد اللحظة، بل جاء بعد عدة تطورات سياسية وعسكرية. فالتفاهم التركي الكردي الأخير، الذي شمل دعوة عبد الله أوجلان إلى حل حزبه وإلقاء السلاح، لعب دورًا رئيسيًا في تسريع التقارب بين دمشق وقسد. 

كما أن التفاهمات بين واشنطن وأنقرة، والتي يبدو أنها تضمنت مقترحات لحل الوضع الكردي في سوريا، ساهمت في تمهيد الطريق لهذا الاتفاق.

إضافة إلى ذلك، فإن الشرع نجح في تعزيز أركان الدولة الجديدة بعد إسقاط نظام بشار الأسد، مما جعله أكثر قدرة على استيعاب قسد ضمن الدولة السورية الموحدة. 

هذا الاتفاق، وفقًا لمحللين، قد يكون أكبر خطوة نحو إعادة توحيد الجغرافيا والمجتمع السوري بعد سنوات من الانقسام.

مخاطر التنفيذ وفرص النجاح

رغم أهمية الاتفاق، فإن تنفيذ بنوده سيواجه تحديات كبرى. أولًا، تطبيق دمج القوات والمؤسسات يتطلب تنسيقًا عاليًا لتفادي الاحتكاكات الميدانية بين القوات السورية وعناصر “قسد” المعتادة على العمل باستقلالية نسبية. 

ثانيًا، هناك مخاوف من انقسامات داخل “قسد” نفسها، حيث قد ترفض بعض الفصائل هذا الاندماج، مما قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية في الشمال الشرقي.

بالإضافة إلى ذلك، نجاح الاتفاق سيعتمد على قدرة دمشق على تحقيق توازن بين استيعاب المطالب الكردية من جهة، وعدم استعداء القوى الإقليمية والدولية المتابعة للملف السوري من جهة أخرى.

فإمكانية تدخل جهات خارجية، مثل تركيا أو الولايات المتحدة، لتعطيل تنفيذ الاتفاق تبقى قائمة.

التحديات المستقبلية

رغم توقيع الاتفاق، فإن هناك تحديات مستقبلية قد تؤثر على نجاحه:

  • إعادة الهيكلة العسكرية: هل ستتمكن “قسد” من الاندماج بشكل كامل في الجيش السوري دون احتكاكات؟
  • الضمانات الدولية: هل ستقبل تركيا والولايات المتحدة بالتغيرات الجديدة؟ أم ستسعى جهات خارجية إلى عرقلة التنفيذ؟
  • الوضع الاقتصادي: هل ستتمكن الدولة السورية من استثمار الموارد المستعادة بطريقة تعزز الاستقرار الداخلي؟
  • الحاضنة الشعبية: كيف سيتفاعل سكان المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد” مع التغيرات الجديدة؟

لحظة مفصلية في تاريخ سوريا

في النهاية، يمثل اتفاق الشرع و”قسد” خطوة كبرى على طريق إعادة بناء الدولة السورية، لكنه يبقى محفوفًا بالتحديات. نجاحه سيعتمد على حكمة الأطراف المنفذة وإدارة الملفات الأمنية والسياسية بواقعية ودبلوماسية حذرة.

أما الفشل، فقد يعيد فتح باب الصراعات المسلحة في سوريا، ويعزز سيناريوهات التقسيم التي لطالما سعت دمشق إلى تفاديها.

لذلك، فإن المرحلة القادمة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة السورية على تحويل هذا الاتفاق من مجرد وثيقة سياسية إلى واقع عملي على الأرض، يحقق الأمن والاستقرار لشعب أنهكته الحرب.

اقرأ أيضًا : لماذا يخشى الاحتـ ـلال الحكومة السورية الجديدة؟