في مشهد يعكس هشاشة الأوضاع الأمنية والاجتماعية في ريف دمشق، أعلن محافظ السويداء مصطفى البكور، التوصل إلى اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار في مدينتي جرمانا وأشرفية صحنايا، عقب أيام من التوتر والاشتباكات المسلحة التي أودت بحياة عناصر أمن، وسط تصعيد إسرائيلي موازٍ وتنديد أممي متصاعد بالغارات الجوية التي استهدفت مناطق سورية.

جهود محلية للتهدئة ووقف العنف

جاء الإعلان عن التهدئة بعد اجتماع عقد في العاصمة دمشق، ضمّ محافظي ريف دمشق والسويداء والقنيطرة، بالإضافة إلى عدد من وجهاء الطائفة الدرزية وشخصيات اجتماعية محلية، في مسعى لاحتواء التوتر الذي تصاعد عقب تداول تسجيل صوتي منسوب لأحد أبناء الطائفة الدرزية تضمّن إساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ما أثار غضباً واسعاً واندلاع أعمال عنف مسلحة.

وأكد بيان صادر عن المحافظ مصطفى البكور أن اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها ستعمل على إيجاد حلول دائمة لضمان استقرار الأوضاع في المدينتين، وتجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد. 

وشدد محافظ ريف دمشق عامر الشيخ خلال مؤتمر صحفي على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة كضمانة لتحقيق السلم الأهلي، وأكد أن مؤسسات الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع المكونات السورية.

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت انتهاء العملية الأمنية في أشرفية صحنايا بعد القبض على عدد من المسلحين، متهمةً إياهم بالضلوع في الهجوم الذي أودى بحياة 16 عنصراً من الأمن العام السوري. وأضافت أن قوات الأمن سيطرت بالكامل على المنطقة وتعمل على ملاحقة باقي المطلوبين.

خارجية النظام ترفض التدويل وتتهم “الخارجين عن القانون”

بالتوازي مع جهود التهدئة الداخلية، عبّرت وزارة الخارجية السورية عن رفضها لما أسمته “دعوات الحماية الدولية” الصادرة من بعض الأطراف المشاركة في أعمال العنف، ووصفتها بأنها “محاولة لتدويل قضية داخلية”، مؤكدة أن هذه الدعوات تهدد وحدة سوريا وتُقوّض جهودها الوطنية لاستعادة الأمن.

كما شددت الخارجية على أن الدولة السورية مسؤولة عن حماية جميع مكونات الشعب السوري، وأشادت في بيانها بالدور الذي لعبه مشايخ الطائفة الدرزية في وأد الفتنة وتفادي الانزلاق نحو صراع طائفي أو مناطقي، في إشارة واضحة إلى التنسيق بين بعض وجهاء المجتمع المحلي والنظام السوري لاحتواء الأزمة.

ويُفهم من لهجة البيان الرسمي أن دمشق تسعى للحفاظ على السيطرة الكاملة على الملف دون السماح بأي تدخل خارجي، لا سيما بعد تصاعد الأصوات التي طالبت بتوفير حماية دولية للطائفة الدرزية على خلفية الغارات الإسرائيلية الأخيرة.

غارات إسرائيلية وتصعيد إقليمي موازٍ

في خضم هذا التوتر، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات جديدة استهدفت محيط منطقة صحنايا، في تصعيد جديد يأتي بعد أيام فقط من قصف بطائرات مسيّرة استهدف تجمعًا أمنيًا وأدى إلى مقتل عنصر أمن وإصابة آخرين، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية السورية.

وبرر الجيش الإسرائيلي هذا التصعيد بأنه رد على “العنف ضد الدروز في سوريا”، في تدخل خطير يفتح الباب أمام محاولة تل أبيب فرض وصاية “طائفية” على مكونات داخل المجتمع السوري، خاصة بعد تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي الذي أعلن نية استهداف مواقع سورية ما لم يتوقف ما وصفه بـ”قمع الدروز”.

ويقرأ مراقبون هذا التطور في سياق أوسع لمحاولات إسرائيل توسيع نفوذها داخل الملف السوري عبر استغلال البعد الطائفي، بما يهدد بإعادة إنتاج نموذج “الدرزستان” أو “الدويلة الدرزية” التي طرحت سابقاً في إطار مشاريع التقسيم الناعمة للمنطقة.

تنديد أممي وتحذيرات من الانزلاق إلى الفوضى

وفي المقابل، أعرب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون عن قلقه العميق من التصعيد المتزايد، وخصوصًا الغارات الإسرائيلية على محيط دمشق وحمص، والتي قال إنها أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، وقد تؤدي إلى تصعيد خطير في الوضع الأمني الهش أصلاً.

ودعا بيدرسون إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين ومنع تفاقم التوترات الطائفية والاجتماعية، مشدداً على أن الأمم المتحدة تتابع عن كثب التطورات وتدعم أي جهود للتهدئة، مشيرًا إلى أن الأولوية يجب أن تكون لخفض التصعيد ومنع انزلاق سوريا إلى موجة عنف جديدة.

قراءة في خلفيات التصعيد ومخاطره

يمثل التصعيد في جرمانا وصحنايا نموذجاً مركباً لتداخل العوامل الطائفية والأمنية والإقليمية في المشهد السوري، فبينما يُروّج النظام لرواية مفادها أن “الخارجين عن القانون” يهددون السلم الأهلي، تسعى إسرائيل إلى تقديم نفسها كمدافع عن الطائفة الدرزية، ما يطرح مخاطر حقيقية حول تكرار سيناريوهات التقسيم وإحياء الهويات الجزئية على حساب الدولة المركزية.

وتأتي هذه التحركات في ظل مناخ سياسي معقد، إذ إن استهداف إسرائيل لمناطق حساسة قرب دمشق يحمل رسائل واضحة لكل من إيران والنظام السوري، مفادها أن إسرائيل مستعدة لاستخدام ورقة الأقليات –ومنها الدروز– لفرض معادلات جديدة على الأرض.

وفي ظل هذا الواقع المتأزم، يظل التحدي الأكبر أمام الدولة السورية هو منع تفجر مزيد من البؤر الأمنية في المناطق المتداخلة طائفيًا، والحفاظ على وحدة القرار والسلاح، في وقت تتزايد فيه محاولات الاختراق الخارجي عبر أدوات داخلية متفرقة.

هل تصمد التهدئة؟

يبقى السؤال الأهم: هل تنجح اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها في فرض التهدئة على الأرض، أم أن الغارات الإسرائيلية، ومطالبات الحماية الدولية، ستفجر الوضع من جديد؟

الإجابة مرهونة بقدرة الدولة على فرض الأمن دون اللجوء إلى العنف المفرط، وبمدى التزام إسرائيل بعدم التورط أكثر في الداخل السوري تحت شعارات طائفية باتت مكشوفة الأهداف. في النهاية، ما يجري في جرمانا وصحنايا قد لا يكون سوى بداية فصل جديد من الحرب المركبة على سوريا.

هل تودّ تضمين تصريحات من جهات دولية أو شخصيات درزية في تقارير قادمة لتعزيز التحليل؟

اقرأ أيضًا : هل يستمر الاتفاق بين “قسد” والحكومة السورية؟