وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا دفاعيًا جديدًا في مكة، ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. بهذه العبارة وحدها، خرج الاتفاق من كونه تفاهمًا أمنيًا عاديًا إلى إطار دفاع جماعي يحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا، حتى لو بقيت تفاصيل الالتزامات العسكرية الدقيقة غامضة في البيان المشترك.
الاتفاق يستحضر، من حيث المبدأ، المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، لكنه يأتي في سياق مختلف تمامًا: منطقة تعيش حربًا مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، وممرات شحن مضطربة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وشكوك خليجية متزايدة في قدرة واشنطن على توفير حماية مضمونة لحلفائها.
بالنسبة لباكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك سلاحًا نوويًا، يمثل الاتفاق تحولًا لافتًا. فإسلام آباد التي حاولت طويلًا تقديم نفسها كوسيط حذر بين أطراف المنطقة، تقترب الآن من موقع مختلف: ضامن أمني محتمل في قلب الخليج، إلى جانب السعودية وتركيا. حضورها في هذا الترتيب لا يضيف عددًا عسكريًا فقط، بل يضع قوة نووية وجيشًا كبيرًا وخبرة قتالية طويلة داخل معادلة أمنية شرق أوسطية شديدة الحساسية.
الاتفاق لا يمكن فصله عن الحرب الدائرة مع إيران. فقد كشفت الضربات المباشرة، وتهديد الملاحة، وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، أن النظام الأمني القديم الذي اعتمد على الولايات المتحدة لم يعد قادرًا وحده على تهدئة مخاوف العواصم الإقليمية. السعودية تعرضت لضغوط من الحوثيين وحلفاء إيران، وتركيا تراقب حدودها الطويلة مع إيران وملف الجماعات الكردية المسلحة، بينما تجد باكستان نفسها متضررة اقتصاديًا من أي اضطراب في الطاقة والأسمدة والتجارة البحرية.
من هذه الزاوية، لا يبدو اتفاق مكة مجرد تقارب عسكري بين ثلاث دول، بل محاولة لبناء ترتيبات أمنية جديدة في منطقة لم تعد تثق كليًا بالضمانات الأمريكية. فحين تفشل واشنطن في منع الهجمات أو احتواء التصعيد، تبدأ القوى الإقليمية في البحث عن صيغ حماية ذاتية. هذا لا يعني بالضرورة خروجًا كاملًا من المظلة الأمريكية، لكنه يعني أن الاعتماد عليها لم يعد كافيًا.
وقد سبق الاتفاق الثلاثي تعاون أعمق بين أطرافه. فالسعودية وباكستان وقعتا أواخر عام 2025 اتفاق دفاع متبادل، تبعه نشر آلاف من القوات الباكستانية وأنظمة دفاع جوي وطائرات في المملكة، بينما تعد تركيا موردًا دفاعيًا مهمًا لكل من الرياض وإسلام آباد. لذلك، فإن اتفاق مكة لا يبدأ من الصفر، بل يثبت رسميًا مسارًا كان يتشكل بالفعل خلال الأشهر الأخيرة.
المعادلة التي يقدمها الاتفاق واضحة: السعودية تملك المال والنفوذ الديني والطاقة، تركيا تملك صناعة دفاعية متقدمة وجيشًا كبيرًا داخل الناتو، وباكستان تملك الكتلة العسكرية والخبرة القتالية والردع النووي. هذا التداخل يمنح الاتفاق ثقله الحقيقي؛ فالمسألة ليست عدد قوات فقط، بل جمع مصادر قوة مختلفة في إطار واحد: التمويل السعودي، التكنولوجيا التركية، والقدرة العسكرية الباكستانية.
لكن المكاسب المحتملة تخفي مخاطر جدية، خصوصًا لباكستان. فإسلام آباد تدخل بهذا الاتفاق منطقة مليئة بالألغام: إيران، الحوثيون، إسرائيل، الهند، والخليج. وأي صيغة دفاع جماعي تعني أن هجومًا على السعودية أو تركيا قد يضع باكستان تحت ضغط سياسي أو عسكري للرد، حتى لو لم تكن المواجهة تخدم مصالحها المباشرة.
هذا هو خطر “الانجرار” الذي يحذر منه محللون. باكستان تجنبت في السابق التورط المباشر في حروب الشرق الأوسط، وكان رفض البرلمان الباكستاني المشاركة في حرب اليمن عام 2015 مثالًا واضحًا على حساسية هذا الملف داخليًا. فباكستان تضم أقلية شيعية كبيرة، وتملك حدودًا طويلة مع إيران، وأي اصطفاف يُفهم داخليًا أو إقليميًا باعتباره جبهة ضد طهران قد يفتح عليها أزمات لا تحتاجها.
رد الفعل الإيراني جاء سريعًا ورافضًا. الرسالة التي وصلت من طهران أن اتفاقًا ورقيًا مع تركيا وباكستان لن يمنح السعودية الأمن، كما لم تمنحها سنوات الاعتماد على الأمريكيين أمنًا كاملًا. هذا الرد يكشف أن إيران لا تنظر إلى الاتفاق كخطوة رمزية، بل كتحول قد يمس توازنات المنطقة، حتى إن بقيت التزامات الاتفاق غامضة.
في المقابل، قد تنظر واشنطن إلى الاتفاق بارتياح نسبي. فالولايات المتحدة تريد من حلفائها الإقليميين تحمل قدر أكبر من عبء الردع والحماية، خصوصًا في مواجهة إيران وحلفائها. بهذا المعنى، قد لا ترى واشنطن الاتفاق تمردًا على نفوذها، بل جزءًا من تقاسم الأعباء. غير أن بناء إطار أمني إقليمي يضم قوى كبرى من العالم الإسلامي قد يخلق على المدى الأبعد هامشًا أكبر للتحرك خارج السيطرة الأمريكية المباشرة.
أما إسرائيل، فهي تتابع الاتفاق من زاوية مختلفة. وجود تركيا والسعودية وباكستان داخل إطار دفاعي واحد، مع ما يعنيه ذلك من حضور القدرة النووية الباكستانية، لا يمكن أن يكون تفصيلًا عابرًا في الحسابات الإسرائيلية. وقد سبق أن حذر نفتالي بينيت من احتمال تشكل محور تركي باكستاني معادٍ لإسرائيل. ورغم أن اتفاق مكة لا يعلن نفسه كتحالف ضد تل أبيب، فإن مجرد قيام هذا الإطار يضيف عنصرًا جديدًا إلى حسابات الردع الإقليمية.
الهند بدورها تنظر بقلق إلى الاتفاق. فتعزيز موقع باكستان كشريك أمني لدول خليجية كبيرة، وعلى رأسها السعودية، يمنح إسلام آباد وزنًا إضافيًا في ملفات تتجاوز الشرق الأوسط. ورغم العلاقات الاقتصادية الواسعة بين نيودلهي والرياض، فإن وجود باكستان داخل اتفاق دفاع جماعي مع السعودية وتركيا يثير قلقًا هنديًا مفهومًا، ويدفع بعض الأصوات في الهند إلى التفكير في موازنة ذلك عبر علاقات أوسع مع الإمارات وإسرائيل واليونان وقبرص وأفغانستان.
لذلك، فإن اتفاق مكة لا يخص الشرق الأوسط وحده. تأثيره يمتد إلى جنوب آسيا، وشرق المتوسط، والمحيط الهندي، وحسابات إسرائيل والهند وإيران والولايات المتحدة. إنه اتفاق يربط ساحات كانت تُقرأ غالبًا بشكل منفصل: أمن الخليج، الصراع مع إيران، التنافس الهندي الباكستاني، صعود تركيا الدفاعي، وتراجع الثقة بالمظلة الأمريكية التقليدية.
مع ذلك، تبقى المسألة الأهم في كيفية استخدام الاتفاق. إذا تحول إلى إطار ردع يمنع التصعيد ويحمي الممرات والطاقة، فقد يشكل بداية لترتيب أمني إقليمي أكثر استقلالًا. أما إذا تحول إلى محور مواجهة ضد إيران، أو إلى أداة لسحب باكستان إلى حروب الخليج، فقد يصبح بداية لتشابك أخطر بين أزمات المنطقة.
الاتفاق يفتح أيضًا سؤالًا أوسع حول إمكان قيام كتلة أمنية أوسع في العالم الإسلامي. بعض الأصوات الباكستانية ترى أن دولًا أخرى قد تنضم لاحقًا، لكن نجاح أي إطار كهذا لن يتوقف على السلاح وحده. القوة العسكرية لا تكفي إذا لم ترافقها رؤية سياسية واضحة، وقدرة على إدارة الخلافات المذهبية والقومية، وموقف جاد من القضايا المركزية، وعلى رأسها فلسطين.
في النهاية، اتفاق مكة هو علامة على زمن جديد في المنطقة: دول كبرى في العالم الإسلامي تحاول بناء مظلة أمنية خاصة بها بعدما أدركت أن واشنطن لم تعد ضمانة كافية، وأن الحرب مع إيران لم تعد أزمة بعيدة بل تهديد مباشر للتجارة والطاقة والاستقرار. لكنه في الوقت نفسه اتفاق محفوف بالمخاطر، خصوصًا لباكستان، التي قد تجد نفسها وقد انتقلت من موقع الوسيط إلى موقع الطرف في صراعات لا تملك التحكم الكامل في مسارها.
القيمة الحقيقية للاتفاق لن تظهر في الصورة الجماعية أو صيغة البيان، بل عند أول اختبار كبير: هل سيمنع الحرب أم يوسعها؟ هل يمنح المنطقة توازنًا جديدًا أم يفتح بابًا لمحاور أشد صلابة؟ وهل تستطيع السعودية وتركيا وباكستان بناء أمن إقليمي مستقل دون أن يتحول ذلك إلى فخ جديد في شرق أوسط يشتعل أصلًا؟