عادت الساحة السياسية في تونس إلى حالة من الاحتقان، بعد صدور أحكام ابتدائية في ما يعرف بملف وفاة النائب ورجل الأعمال الراحل الجيلاني الدبوسي، والتي طالت شخصيات بارزة في حركة النهضة، على رأسهم منذر الونيسي ونور الدين البحيري، بأربعة أعوام سجنا لكل منهما. هذه الأحكام لم تمر مرور الكرام، إذ اعتبرتها جبهة “الخلاص” المعارضة صادمة وظالمة، ورأت فيها دليلا جديدا على توظيف القضاء في تصفية الخصوم السياسيين في مرحلة ما بعد 25 يوليو/تموز 2021.
القضية تعود إلى وفاة الدبوسي في مايو/أيار 2014، بعد خروجه من السجن بسنوات، حيث كان موقوفا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2011 بتهم تتعلق بالفساد. غير أن إعادة فتح الملف وإصدار أحكام بحق قيادات سياسية شغلت مناصب حكومية قبل أكثر من عقد، أثار تساؤلات واسعة حول التوقيت والسياق السياسي الذي تتحرك فيه هذه القضية.
وتؤكد جبهة “الخلاص” أن المحاكمة شابتها خروقات جسيمة، من بينها استعجال إصدار الحكم في آجال غير مألوفة في القضايا الجنائية، ورفض المحكمة الاستجابة لطلبات الدفاع، خاصة المتعلقة بسماع شهود وطلبات طبية تخص الموقوفين. وتذهب المعارضة أبعد من ذلك، معتبرة أن الملف برمته يستند إلى رواية تفتقر إلى أساس علمي وقانوني واضح، في ظل غياب تشريح طبي رسمي أو تحاليل بيولوجية تثبت علاقة سببية بين ظروف إيقاف الدبوسي ووفاته بعد سنوات.

تقرير طبي واتهامات بانعدام العلاقة السببية
من أبرز النقاط التي تستند إليها المعارضة، تقرير الاختبار الطبي الصادر في سبتمبر/أيلول 2024، والذي أكد – بحسب بيان الجبهة – أن قرار خروج الدبوسي من المستشفى كان سليما ومطابقا لحالته الصحية آنذاك. كما تشير الوثائق الطبية إلى أنه تلقى العلاج اللازم، بما في ذلك تصفية الدم، وكان في حالة مستقرة نسبيا عند مغادرته المستشفى.
وتشدد الجبهة على أن شهادة الوفاة التي حررها طبيبه الخاص لم تتضمن أي شبهة جنائية أو إشارة إلى حرمان من العلاج، بل أكدت وفاة طبيعية. وترى أن غياب تشريح للجثة أو أدلة علمية حاسمة يطرح شكوكا جدية حول الأساس الذي بنيت عليه الاتهامات.
في المقابل، لم تصدر السلطات القضائية رواية مفصلة للرأي العام تشرح الأسس القانونية والطبية التي اعتمدتها لإصدار الأحكام، ما يترك المجال مفتوحا أمام تأويلات سياسية، ويغذي اتهامات المعارضة بوجود إرادة سياسية لتصفية حسابات تعود إلى مرحلة ما قبل 25 يوليو/تموز 2021.
سياق سياسي متوتر منذ إجراءات 25 يوليو
لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق السياسي العام في تونس منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، والتي شملت حل البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وحل الحكومة والمجلس الأعلى للقضاء، وتعليق العمل بالدستور قبل صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات مبكرة.
هذه الإجراءات اعتبرتها قوى سياسية عديدة “انقلابا على الدستور” وترسيخا لحكم فردي، بينما يؤكد الرئيس أنها كانت “تصحيحا لمسار الثورة” وخطوة لإنقاذ الدولة من الانهيار. ومنذ ذلك التاريخ، توالت القضايا التي طالت معارضين بارزين، من بينهم راشد الغنوشي، ونور الدين البحيري، وعلي العريض، إلى جانب شخصيات من أحزاب مختلفة وصحفيين ورجال أعمال.
المعارضة ترى أن ملف الدبوسي يأتي في هذا السياق، باعتباره حلقة جديدة في سلسلة ملاحقات ذات طابع سياسي، هدفها – وفق توصيفها – إقصاء الخصوم وإعادة تشكيل المشهد العام على قاعدة الولاء للسلطة التنفيذية. وتعتبر جبهة “الخلاص” أن توظيف “مأساة إنسانية” تعود إلى سنوات سابقة لتبرير أحكام بالسجن ضد قيادات سياسية، يمثل سابقة خطيرة في مسار العدالة الانتقالية والجنائية في البلاد.
بين خطاب مكافحة الفساد وشبهة الانتقائية
في المقابل، يراهن أنصار السلطة على خطاب محاربة الفساد ومحاسبة المسؤولين السابقين، معتبرين أن فتح ملفات قديمة يعكس إرادة في إنهاء الإفلات من العقاب. غير أن منتقدي هذا الطرح يشيرون إلى ما يصفونه بانتقائية واضحة في ملاحقة بعض الشخصيات دون غيرها، وغياب مسار شامل وشفاف لمكافحة الفساد يشمل جميع الأطراف.
هذا الجدل يسلط الضوء على أزمة ثقة متنامية بين جزء من الرأي العام والمؤسسة القضائية، خاصة بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإعادة تشكيله بقرار رئاسي. وترى منظمات حقوقية أن استقلال القضاء يمثل حجر الزاوية في أي عملية محاسبة حقيقية، وأن أي شبهة تدخل سياسي من شأنها تقويض شرعية الأحكام، مهما كانت وجاهة التهم.
في ظل هذا المناخ، تبدو تونس أمام اختبار دقيق يتعلق بمدى قدرتها على التوفيق بين محاسبة المسؤولين عن أخطاء الماضي وضمان شروط المحاكمة العادلة والشفافية. فالقضية لم تعد مجرد ملف قضائي مرتبط بوفاة شخصية سياسية سابقة، بل تحولت إلى مرآة تعكس طبيعة التحول السياسي الذي تعيشه البلاد، وحدود الفصل بين السلطات.
ومع استمرار الانقسام الحاد بين السلطة ومعارضيها، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه الأحكام ستعمق الاستقطاب وتزيد من عزلة المشهد السياسي، أم أنها ستدفع نحو مراجعة أوسع لمسار العدالة، بما يعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة ويجنب البلاد مزيدا من الاحتقان.
اقرأ أيضًا : هبوط مقاتلات أمريكية في إسرائيل يرفع منسوب المواجهة مع إيران