كشفت تقارير إعلامية عن تورط هيئة الإذاعة البريطانية BBC في إنتاج محتوى وُصف بأنه “دعاية لامعة” لصالح صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في خطوة أثارت موجة انتقادات حادة، باعتبارها انخراطًا مباشرًا في تلميع صورة نظام متهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وبحسب التقرير، دخلت وحدة BBC StoryWorks، الذراع التجارية للهيئة، في شراكة مع الصندوق السيادي السعودي، وأنتجت سلسلة من الأفلام والمقالات التي تمجّد ما تصفه بـ“الإصلاحات” في المملكة، خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة والبيئة، وهي رواية تتناقض بشكل صارخ مع الواقع الموثق من قبل المنظمات الحقوقية الدولية.
هذه المواد لم تُنشر كإعلانات واضحة، بل قُدمت ضمن منصة تحمل علامة BBC، ما يمنحها غطاءً من المصداقية، ويحوّلها فعليًا إلى أداة دعائية تُمرَّر تحت ستار الصحافة. وقد اعتبر منتقدون أن هذا النوع من “الدعاية المغلّفة” يمثل خطرًا مباشرًا على سمعة المؤسسة التي بنت تاريخها على الاستقلالية والحياد.
وتأتي هذه الشراكة في وقت تعاني فيه شبكة BBC من تراجع في إيراداتها نتيجة انخفاض عدد دافعي رسوم الترخيص، حيث كشف تقريرها السنوي عن خسارة تُقدّر بنحو 50 مليون جنيه إسترليني، ما دفعها للبحث عن مصادر تمويل بديلة، حتى لو كان الثمن هو الارتهان لأنظمة لا تحترم أبسط القيم الديمقراطية.
الانتقادات لم تتوقف عند حدود التمويل، بل طالت جوهر المحتوى نفسه، حيث يُظهر التقرير كيف تسعى هذه المواد إلى تلميع صورة نظام قائم على القمع. فبينما تُروّج المقالات لـ“التحول الأخضر” عبر استثمارات بمليارات الدولارات، فإن الحقيقة أن الصندوق نفسه تأسس من عائدات النفط، ولا يزال يستثمر بشكل واسع في الوقود الأحفوري، ما يجعل هذا الخطاب البيئي أقرب إلى التضليل منه إلى الواقع.
أما فيما يتعلق بحقوق المرأة، فقد سعت المواد إلى إبراز مشاركة النساء في قطاعات مثل الطيران، في محاولة لتقديم صورة تقدمية، بينما يتجاهل هذا الطرح استمرار نظام الوصاية الذكورية، واعتقال ناشطات لمجرد مطالبتهن بحقوق أساسية، في تناقض واضح بين الخطاب الدعائي والواقع القمعي.
وأكدت جوي شي، الباحثة في منظمة Human Rights Watch، أن استثمارات الصندوق السيادي تُستخدم كأداة قوة ناعمة لتبييض الانتهاكات، مشيرة إلى أن الهدف ليس فقط تحسين الصورة، بل أيضًا نشر معلومات مضللة، وإسكات المنتقدين، وتقويض أي محاولات للمساءلة أو الشفافية.
كما شدد فيليكس جاكنز من منظمة العفو الدولية على أن هذه المشاريع الثقافية والإعلامية، رغم بريقها، تخفي واقعًا قاتمًا من القمع، حيث لا يزال ناشطون سلميون خلف القضبان، ويُسجن أشخاص بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين تُستخدم هذه الحملات لتشتيت الانتباه عن هذه الانتهاكات.
الانتقادات طالت أيضًا البعد الأخلاقي، حيث أشار باتريك هاوس، المسؤول السابق في BBC، إلى أن مصداقية المؤسسة تعتمد على استقلالها، وأن أي ارتباط وثيق بأنظمة قمعية يقوّض هذا الأساس، محذرًا من أن الاعتماد على أموال تأتي من جهات لا تحترم القيم الديمقراطية يشكل تهديدًا مباشرًا لجوهر العمل الصحفي.
ورغم محاولة شبكة BBC الدفاع عن نفسها عبر التأكيد على الفصل بين الجانب التحريري والتجاري، فإن هذا التبرير لم يقنع المنتقدين، الذين يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن يكتب الأخبار، بل بالمنصة التي تُستخدم لتلميع الأنظمة، وبالرسالة التي تُرسل للجمهور عندما تتحول مؤسسة إعلامية عريقة إلى شريك في إعادة كتابة صورة نظام متهم بالقمع.
في المحصلة، تكشف هذه القضية عن نموذج صارخ لما يمكن أن يحدث عندما تُشترى المنصات الإعلامية بالمال، حيث لا تعود الحقيقة هي الأولوية، بل الصورة التي يدفع ثمنها من يريد أن يخفيها.